الصبيّ إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فنضح الدم على وجه (خالد بن الوليد) فسبها، فسمعه - صلى الله عليه وسلم - فقال:"مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفِر له، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت [1] ."
جاء ماعز بن مالك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال:"ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني إلى آخره"، ومثله في حديث الغامدية قالت: طهرني، قال:"ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه". هذا دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحا في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة" [2] . وفي هذا الحديث دليل على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة وهو بإجماع المسلمين، فإن قيل فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة وهي محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم، بل أصرا على الإقرار واختارا الرجم.
فالجواب أن تحصيل البراءة بالحدود وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا، وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه، فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال، والله أعلم [3] .
(1) صحيح مسلم، كتاب الحدود، بَاب مَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى، (5/ 120) ، رقم الحديث (4528) .
(2) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب وفود الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وبيعة العقبة، (12/ 279) رقم الحديث (3603) .
(3) شرح النووي على مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى، قوله - صلى الله عليه وسلم - (خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (11/ 199) .