الصفحة 108 من 111

الأول لايقبله قلب معافى من داء الغفلة بأي وجه , ذلك أنَّ الذي يصرف عما يمكن أن يؤتى به الأولى به أن يأتي بما لا يمكن أن يؤتى به فينصرف الناس عنه لما فيه من إعجاز لاينصرفوا عنه لأنهم صرفوا رغما عنهم فيعتذرون عند أنفسهم بأنهم قد ظلموا بالقهر والمنع، فيكون ذلك أدعى إلى نفورهم من الإيمان بما صرفوا مرغمين عنه، فلا يتحقق للإعجاز غايته.

والوجه الآخر: صرفوا عما هم عنه عاجزون، وهم عند أنفسهم موقنون بأنه فوق طاقتهم وجه يمكن أن يتقبله العقل على ضرب من التسامح في قبوله , فإنه لا يتعاند مع القول بالإعجاز البلاغي للقرآن الكريم ,فإن المعنى عليه أن الله عزَّ وجلَّ قد جمع للقرآن الكريمِ وجهين من الإعجاز أحدهما مؤسس والآخر مؤكد:

الأول الإعجاز البلاغي، والآخر الإعجاز القهري، وهو مؤكد الأول في تحقيق غايته.

لايعنى هذا أنني أناصر القول بذلك، ولكنى أقول إنه إن قيل به فإن القلب المعافى لايبالغ في دفعه ونقضه.

= هنالك فرق بين أمرين:

الصرف عن المعارضة من خارج الذات المصرفة عنها، والانصراف عنها من داخل الذات المنصرفة عنها.

الأول من باب القهر الخارجي، والآخر: الانصراف مبعثه إدراك الذات المنصرفة أن ماهي قائمة أمامه ذو جلال يهولها، فتلبس وتدهش، فتنصرف موقنة أنه ليس لها إلى معارضة سبيل, وهذا ادعى إلى إيمانها به.

فكل نفس مؤمنة هي نفس منصرفة من ذاتها عن معارضة القرآن لإيمانها بما في القرآن الكريم مما لا قبل لأحد من العالمين أن يأتي بشيء من مثله. فهذا الانصراف لازم ما كان عليه القرآن الكريم من الجلال والجمال والكمال في معانيه ونظمه وكل ما هو قائم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت