وما جاء عن الباقلاني أظهر في الاستدلال، وألزم في الحجاج ,وما جاء عن الخطابي ألطف وأوثق عند أهل البيان وفيه مزيد طعن في القائلين بالصرفة فإذا ما كان الباقلاني قد طعنهم في صحة عقوله في مستواها الفطري والعلمي فإن الخطابي قد سبقه إلى طعنهم في عرفانهم بالبيان العالي الزاعمين أن بيان القرآن الكريم لا يعلو فيه بيان البشر، فعدم فقههم وجه البيان في آية الإسراء شاهد عدل على أنهم لا يملكون القدرة على فقه البيان العالي فضلا عن أن يوازنوا بين بيان القرآن الكريم فيقرروا أنه ليس في نفسه عاليا على بيان البشر
.... موقف الإمام عبد القاهر من القول بالصرفة ....
أفرد الإمام عبد القاهر للقول في إثبات إعجاز القرآن الكريم وأنه آية صدق النبوة المحمدية، وكذلك إثبات فساد القول بأن وجه إعجازه الصرفة رسالة أسماها (الشافية) وهي تسمية ذات دلالية لطيفة، وكأنه بالجمع بين الفريقين: الفريق الذاهب إلى أن القرآن غير معجز بأي وجه من الوجوه، وأنه ليس آية النبوة، والفريق الذاهب إلى أن القرآن الكريم معجز، وأنه آية صدق النبوة المحمدية إلا آن وجه إعجازه ليست بلاغته وإنما الصرفة يشير بهذا الجمع إلى انهما سواء في الجهالة والضلالة، وأن من يقول بالصرفة قريب ممن يقول بعدم الإعجاز، وأن رسالته قائمة بنقض مقالة كل في بابه نقضا يشفي من الضلالة والجهالة 0
وهذه الرسالة كأنها تمهيد للقول في دلائل وأمارت إعجاز بلاغة القرآن الكريم التي أفرد لها كتابه (دلائل الإعجاز)
يستفتح الإمام الرسالة بكلية مهمة هو مؤكدها أيضا في دلائل الإعجاز، تقول (اعلم أن لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخص وأولى وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب وبالقبول أخلق وكان السمع له أوعى والنفس إليه أميل) [1]
(1) - الرسالة الشافية ص 575 - ذيل دلائل الإعجاز - ت: شاكر.