الصفحة 58 من 111

فدلَّ هذا على أن كلّ القائلين بالصرفة عما هو ممكن الإتيان به لو خلّي بينهم لا يرون إعجاز بلاغة القرآن، وكأنّه يهدينا إلى وجوب تفسير الصرفة حين تجمع غير مفسرة تفسيرًا قاطعا مع القول بالإعجاز البلاغي تفسيرًا لا يتعاند مع القول بالإعجاز البلاغي، لأنهما لا يجتمعان في عقل أبدًا.

ولا يقول عاقلٌ أبدًا إنه معجز ببلاغته، وإنه معجز بالصرفة عن الإتيان بمثله لو خلي بينهم وبينه، فذلك مما ينقض عجزه صدره، ولا يفعالها عاقل 0 ومن ثَمّ لا يبقى ما يحيّرُنا في جمع بعض أهل العلم بين"الصرفة"و"البلاغة"؛ لأنه جمع بين ملزوم"البلاغة"ولازم"الصرفة"وليس جمعًا بين متعادلين متباين 0

ويقرر أنه لا يأبى أن يكون الصرف لهم عن المكابرة والإتيان بما هو عندهم دون القرآن الكريم والادعاء أنه مثله أو فوقه غير أنه لا يأخذ بذلك التفسير للصرفة وإن كان لا يأباه لأنَّ لديه ما هو أعلى في تفسير الصرفة:

"نقول إنهم قد كانوا قادرين على المكابرة والمعاندة وكانوا أحرص الناس على أن يعارضوا نوعا من المعارضة إلا أن القرآن بلغ بهم من الروع والإعجاب والهزّ والإيناق مبلغا ظهرت فيه أحوالهم وانكشفت انكشافا استوى في العلم به منهم خاصتهم وعامتهم، فلم يجدوا عند أنفسهم للمعارضة موقعا لو اشتغلوا بها 0 فالصرف من الله جل ذكره لهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن هو الذي نذكره من روعِه إياهم بالكلام الرائع الذي سمعوه" [1]

وهذا الذي صرح به الشارح مما يعض عليه بالنواجذ كلُّ مؤمن بإعجاز بلاغة القرآن الكريم لا يعدوه إلى ما يناقضه من نحو ما فسرت به"الصرفة"عند"النَّظَّام".

(1) الموضع السابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت