وهذا التوجيه"الثامن"لآية"الأعراف"كأنّه يمتحُ من معينِ مقالة"الجاحظ"التي ذهب فيها إلى أنّ الله تعالى صرف نقوس العرب عن المعارضة للقرآن الكريم بعد أن تحداهم بنظمه، ولذلك لم نجد أحدًا طمع فيه ولو طمع فيه لتكلفه ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة إلخ [1]
"الجاحظ"ذهب إلى أنّ الصرف بالنظم إنّما هو عن مجرد الشغب بالباطل على حق القرآن الكريم، فالله تعالى أحكم نظم القرآن الكريم وتحداهم بذلك النظم، ولم يكتف بهذا بل أضاف إلى ذلك المعجز الذاتي معجزًا خارجيًا هو الصرف عن مجرد التشويش بالباطل، فهو جامعٌ لعاملين من عوامل الإعجاز: عاملٌ ذاتيّ هو إحكام النظم، وعاملٌ خارجيّ هو الصرف عن الشغب بالباطل على ذلك النظم المحكم المعجز، فهو جامعٌ بين اقتدار العلم والحكمة وسلطان القهر الإلهي 0 وكأنّه يرفض بهذا أن يكون قد وقع عن العرب معارضة بالباطل للقرآن الكريم ويرى أنّ مزاعم المعارضة التي اتهم بها بعضُ الناس ليس لها تحقق.
عرض"ابو الحسن الماوردي: على بن محمد بن حبيب البصريّ (364 - 450 هـ) في الباب السابع من كتابه"أعلام النبوة"لما تضمنه القرآن الكريم من أنواع إعجازه فجعل إعجازه في خروجه عن كلام البشرمن عشرين وجها، جاعلا الوجه الأخير: العشرين هو"الصرفة عن معارضته [2] ناظرًا في مفهوم الصرفة عند العلماء:
"واختلف من قال بها: هل صرفوا عن القدرة على معارضته أو صرفوا عن معارضته مع دخوله في مقدوهم؟ على قولين:"
أحدهما: أنهم صرفوا عن القدرة ولو قدروا لعارضوا 0
والقول الثاني: أنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم
والصرفة إعجاز على القولين معا في قول من نفاها وأثبتها، فخرقها للعادة فيما دخل في القدرة 0
(1) - الحيوان للجاحظ:ج 3 ص 89 - ت: هارون.
(2) - أعلام النبوة ص 85 -:ت عبد الرحمن حسن - مكتبة الآداب بالقاهرة