ولهذا كانت قولة"الراغب"في مفتتح قوله في الصرفة:"وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته، فظاهر أيضًا إذا اعتبر ..."فيه إشارة إلى أن ظهور دلالة هذا في الإعجاز لا تكون إلا بالاعتبار، ولن يكون اعتبار إذا قلنا إن الصرف بسلب القدرة على معارضة ما تمكن معارضته، لأنّ الممنوع معارضته بهذا السلب لن يكون هو مناط الإعجاز، فلا تكون الآية نفسها هي المعجز، بل منزل تلك الآية،لا يشك عاقل في أن الله عز وجل معجز العالمين بما يشاء،فلا حاجة إلى مزيد اعتبار في هذا، وإنما الاعتبار في أن يكون الصرف عن المعارضة بأمر يقام فيما يدعى العالمون إلى معارضته، وذلك الأمر هو الذي يبهرهم، وقد كان المدعوون إلى المعارضة الفرسان فيه، وجميل قوله:"وليس تهتز غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته ..."فهو دالٌّ على أنّه بلغ في سمو منزلته في البلاغة حدًا قطع عن نفوسهم مجردالطمع والاهتزاز إلى معارضته، فأوقعهم في الإبلاس والدهشة ...
مما بينته يكون مفهوم الصرفة عند"الراغب"هو مفهومها عند"شارح النكت"الذي كان بيانه عن مفهومها جليًا لا يفتقر إلى مفاتشة كالتي افتقر إليها بيان"الراغب"عن مفهومها.
عرض أبو العباس: أحمد بن عمر القرطبي"ت: 656 [1] "
(1) - لم يقطع محقق كتاب"الإعلام"الدكتور: أحمد حجازي السقا"بمن يكون"القرطبي"صاحب (الإعلام) وذكر أن بروكلمان يقرر أنه القرطبي المفسر (671 هـ) ، وكذلك الدكتور"زلط"وصاحب"هدية العارفين"لحق أنه ليس هو القرطبي المفسر المشهور"
وقد نظرت في موقف"القرطبي"في تفسيره"الجامع"من الإعجاز،ووجوه، فرأيته يذكر في مقدمة تفسيره أن لإعجاز القرآن الكريم عشرة وجوه لم يجعل منها"الصرفة"بل إنه عقب علي هذه الوجوه العشرة بماهو دال على أنه لا يرتضي القول بالصرفة،ولو على سبيل التنزل في مناظرة من لم يكن مؤمنا بأنّ القرآن الكريم آية النبوة المحمدية،وإلا لأشار إلىذلك.
وقد قرأت في كتاب (الإبريز) للشيخ"أحمد بن المبارك"في معرض بيان معنى قول الله تعالى:"ومن أعرض عن ذكري فإنّ لَه معيشَةً ضَنْكًا"ما تتمخض عنه مناظرة علماء الإسلام لأحبار النصاري من ظهور الحق وزهوق باطل النصارى، وإشار إلى المراجع العلمية النافعة في هذا فذكر منها:"تأليف أبي العباس القرطبي في الرد على النصارى، وفيه العجب العجاب وفيه نحو من عشرين كراسة" (ص:155 - الإبريز)
وأبو العباس هذا هو صاحب شرح صحيح مسلم: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"0"