فمجانبة الصواب ليست في وصفه بالقرب أو البعد بل في جعله مما يصح الحكم عليه بأحد الوجهين: القرب والبعد، لأن هذا إنما يبنى على التسليم بالمقدمات، والتسليم بها لا يسلم
هذا هو مناط ما يرد على"الخطابي"من قوله 0
هذا ما يمكن أن يقوم في صدرك عندما تقف عند قوله (وهذا أيضًا وجه قريب) ولكن ما قام في صدرك من الرد على"الخطابي"ينهار إذا ما قرأت قوله من بعد ذلك مباشرة:
"إلا أنَّ دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه:"
)قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الاسراء:88) فأشار في ذلك إلى أمرٍ طريقُهُ التكلف والاجتهاد،وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائمُ هذه الصفة، فدلّ على أنّ المراد غيرها 0 والله أعلم" [1] "
هذا دلالٌ دلالة بينة على أنَّه يرى مفارقة بين طرفي القياس،فالتحدي بالقرآن تحد بما لايقتدر عليه،فالآية دالة بقولها (ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا) على أنه مما لا يتأتى إتيانه، وهذا مخالف لمعنى الصرفة التي قالوا بها، فإنه معنى قائم على أنه صرف همة عما هو مقدور عليه ومغير معجوز عنه، فافترق، وهذه من"الخطابي"حميدة مجيدة، وقد توارثها أهل العلم
... موقف القاضي الباقلاني من الصرفة ...
(1) - بيان إعجاز القرآن للخطابي:ص 23