الصفحة 4 من 111

العجز في لغة العرب تدور أصوله الثلاثة (ع 0 ج 0 ز) على معنى التأخر، ويلزم هذا المعنى: الضعف، فيظنُّ أنهما أصلان لا رحم بينهما، ولكن الرحم بينهما موصولة، فإن الضعف من ولائد التأخر، فالذي يعجز عن الأمر أي يضعف عنه إنما هو آتيه في آخر ذلك الأمر، فلا يستقيم له الاقتدار عليه، وأهل الحكمة يقولون: '' لا تُدبِّروا أعْجازَ أمورٍ قد ولَّتْ صُدُورها '' فإنَّ من فعل ذلك لامحال يضعف عن أن يقتدر عليها، فكلُّ من تأخر عن القيام بالأمر في عجزه ضعف عنه 0

وأيضًا من حاول في آخر أمره شيئًا في أوله لم يقتدر عليه، فسواء أكان التأخير من شأن الفاعل أو من شأن المفعول، فإنه يترتب على ذلك ضعف 0

ولا يقال: عجز عن كذا إذا لم يحاوله، أو رغب في المحاولة، فعلم من نفسه ضعفها عنه، فكان علمه بحال نفسه، وحال ما يريد محاولته بمنزلة من أراد وحاول، فثبت له ضعفه عما حاوله، فقيل له حين ذلك: عجز عنه 0

وهذا يبين لك أنه لا يكون حكم بعجز إلا من إرادة ومحاولة على سبيل التحقيق أو التنزيل 0

وننظر في آيات الأنبياء في ضوء معنى العجز الذي أشرتُ إليه، لنرى موقف الخلق إزاءها، ووجه تسميتهم الآيات معجزات 0

حين يأتي النبيّ بآيته ماذا يقع من الخلق بمجرد إتيانه بها؟ أتراهم يعمدون إلى فعل مثلها ومعالجته، فإذا بهم لا يستطيعون إلى ذلك سبيلا، فيعلمون، ويعلم غيرهم أنهم من بعد هذه المحاولة عاجزون عن مثل ما جاء به النبي، فيوصف حال الخلق حينذاك - وليس قبله - بالعجز؟

الذي هو أقرب إلى الواقع أنَّ علمهم بالآية ووقوفهم عليها يقيم في أنفسهم علمًا بأنهم يضعفون عن تلك المحاولة، فيكون هذا نازلًا في الدلالة على عجزهم منزلة من أراد وعزم وحاول، فانتهي إلى يقينه بضعفه عن الإتيان به، فكان حينذاك عجزًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت