الصفحة 5 من 111

وهذا آتٍ مما تكون عليه الآية من ظهور غرابتها ظهورًا لا يدع في قلبٍ عاقلٍ أنَّ بملك أحدٍ أن يعمد إلى تلك المحاولة، وإن استعرت به الرغبة في أن يكون منه ذلك 0

فكلُّ آية بينة يأتي بها النبي؛ لتكون برهانًا على صدقه في البلاغ عن ربه ـ تعالى ـ يقوم في قلب كل عاقل أنها خارجة عن مقدور غير الأنبياء، وأنّه لن يأتي بها إلا نبي بإذن ربه - تعالى - وسواء في هذا أن يتحقق من النبي الآتي بها إعلان بالتحدي لمن جاءهم بها أو لم يتحقق منه إعلان لهم بالتحدي بها ومطالبة لهم بأن يأتوا بمثلها؛ لما تتسم به من عظيم ظهور غرابتها ظهورًا يقيم في كل نفسٍ يقين الإحساس بالضعف عن الإتيان بمثلها بل الضعف عن محاولة ذلك بل الضعف عن إرادة تلك المحاولة، وكأنََّّ النفس تقع حين ذلك في الدّهش والحير والانقطاع

لعلَّ هذا ما جعل"علماء الكلام"يرغبون - ظالمين - عن بيان القرآن الكريم عمَّا جاء به الأنبياء أقوامهم بالآية والبرهان والسلطان، ورغبتهم في تسمية آيات الأنبياء"معجزات"، فهم ناظرون إلى مآل حال تلك الآيات، تنبيها إلى عظيم الغاية منها، والتي يترتب عليها أمور أخرى لا تكون إلا من بعد تحققها، فلن يستفيد من آية النبي إلا من آمن بالعجز عنها، وأنَّها من عند ربّ العالمين 0

وهذا الذي قلته من أن قوم النبيّ إذا ما جاءهم بآياته لا يكونون في افتقار إلى أن ينظروا فيها وأن يحاولوا الإتيان بمثله ثم الوقوع في العجز، بل إنهم واقعون في اليقين بأنَّ ما جاءهم به لا قبل لهم بمثله من غير أن يطمعوا في محاولة الإتيان مثله ــ هذا الذي قلته قد يظن أنه يتعارض مع ما جاء عن الإمام عبد القاهر الجرجاني 0

يقول الإمام:

"أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت