الصفحة 6 من 111

وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعُشْرًا عُشْرًا وآيةً آيةً، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبوا بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، أو يرى أن غيرها أصلحُ هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حكَّّ بيافُوخِه السماء موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول وخَذِيت القروم، فلم تملك أن تصول" [1] "

وأنت إذا ما أبصرت مقالة الإمام رأيتها دالّة في حقيقتها على أنَّّ الإمام"عبد القاهر"يذهب إلى أنهم لمَّا تأملوا القرآن الكريم: سوره ومعاقده وآياته بهرهم نظامه، فكان في ظهور تلك الحقيقة في نفوسهم مانعا لهم عن محاولة أن يأتوا بشيء من مثله، فهم لم يحاولوا فعجزوا، بل أقام ظهور حال القرآن الكريم من بعد علمهم به في نفوسهم انقطاع الطمع في شيءٍ من ذلك، واليقين بأنه لايتأتى لهم شيء منه، فما حاولوا

وقد يعكر على هذا الذي قلته أمران:

الأول: ما كان من شأنِ فرعون وقومه حين جاءهم سيدنا"موسى"عليه الصلاة والسلام بالآيات، فقالوا: لنأتينك بسحر مثله.قال تعالى: (( ولقَدْ أَرََيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّها فَكَذَبَ وَأَبَى * قالَ أ جِئْتنَا لِتخْرِجَنَا مِن أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلنأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوَى ) ) [طه: 56 - 58]

هذا كان من فرعون حين أدهشته الآيات، فمكر بقومه: يوهمهم أنَّ ما جاء به موسى عليه السلام لا يعدو أن يكون من جنس ما هم بارعون فيه، ولذا كان بيانه (( لنأتينك بسحر مثله ) )فسماه سحرًا، ولم يقل بآية مثلها، وهذا من مكر فرعون.

(1) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني -ت: محمود شاكر:39 - ف:31 - ط: المدني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت