فهرس الكتاب
وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا، قَالَ: وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا )) [1] .
وهذا الجواب ذكره الحافظ في الفتح حيث قال رحمه الله:
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ عِيَاض وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة الْمَقْرُون بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد قَوْله"فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُوم وَيُؤْذَن لَهُ"أَيْ فِي الشَّفَاعَة"وَتُرْسَل الأَمَانَة وَالرَّحِم فَيَقُومَانِ جَنْبَيْ الصِّرَاط يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ"الْحَدِيثَ.
قَالَ عِيَاض: فَبِهَذَا يَتَّصِل الْكَلام , لأَنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي لَجَأَ النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا هِيَ الإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , ثُمَّ تَجِيء الشَّفَاعَة فِي الإِخْرَاج.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة - يَعْنِي الآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بَعْد ذِكْر الْجَمْع فِي الْمَوْقِف - الأَمْر بِاتِّبَاعِ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُد , ثُمَّ تَمْيِيز الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ حُلُول الشَّفَاعَة بَعْد وَضْع الصِّرَاط وَالْمُرُور عَلَيْهِ , فَكَانَ الأَمْر بِاتِّبَاعِ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُد هُوَ أَوَّل فَصْل الْقَضَاء وَالإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف.
قَالَ: وَبِهَذَا تَجْتَمِع مُتُون الأَحَادِيث وَتَتَرَتَّب مَعَانِيهَا.
قُلْت: فَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الآخَر , وَسَيَأْتِي بَقِيَّته فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه وَفِيهِ"حَتَّى يَجِيء الرَّجُل فَلا يَسْتَطِيع السَّيْر إِلا زَحْفًا وَفِي جَانِبَيْ الصِّرَاط كَلالِيبُ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ , فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوشٌ فِي النَّار"فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل مَا يَشْفَع لِيُقْضَى بَيْن الْخَلْق , وَأَنَّ الشَّفَاعَة فِيمَنْ يَخْرُج مِنْ النَّار مِمَّنْ سَقَطَ تَقَع بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر اِخْتَصَرَ فِي سِيَاقه الْحَدِيث الَّذِي سَاقَهُ أَنَس وَأَبُو هُرَيْرَة مُطَوَّلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة مِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ"إِنَّ الشَّمْس تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغ الْعَرَق نِصْف الأُذُن , فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اِسْتَغَاثُوا بِآدَم ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيَشْفَع لِيُقْضَى بَيْن الْخَلْق , فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذ بِحَلْقَةِ الْبَاب , فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدهُ أَهْل الْجَمْع كُلّهمْ".
(1) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة (288) ، ورواه ابن خزيمة في التوحيد (351) .