شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشر سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنا لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين .. فجعل الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها، وبضعة عشر شهرًا بالمدينة بعد الهجرة فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس .. ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم، في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه .. وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده، إذ لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء. لا فرق بينهما، لأنهما جميعًا من عند الله وبأمره وبإيجابه، فلو أنهم عند تحول القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلوا إليها، وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه والقبلة التي كانوا عليها، لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا، ولكان فيه نقض لإقرارهم .. فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار، صارا جميعًا معًا هما يومئذ الإيمان .. فلبثوا بذلك برهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعة، وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار وأعطوه ذلك بالألسنة وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار والصلاة .. والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق رحمة الله عليه بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الشرك سواء لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال .. فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها، ثم كذلك كان شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة به ويشملها جميعًا اسم الإيمان، فيقال لأهله مؤمنون. وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب أن الإيمان بالقول .. كما غلطوا في تأويل حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. حين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية. فأمر بعتقها وسماها مؤمنة، إنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقًا كنزول القرآن"اهـ مختصرًا [1] ."
وعلى هذا فإنّ من دخل الإسلام بعد أن أكمل الله لنا الدين، وأقر بـ (لا إله إلا الله) فبرئ من كل شرك وطاغوت، فإن دمه وماله يعصم بذلك، ثم يؤمر بشرائع الإسلام الواجبة على كل مسلم (المباني) فإن عمل بها والتزمها، واجتنب نواقض (لا إله إلا الله) استمرت تلك العصمة التي دخلها
(1) ص (54) وما بعدها عن النسخة المطبوعة في (أربع رسائل) بتحقيق الألباني، نشر وتوزيع دار الأرقم - الكويت.