فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 220

بمجرد الإقرار والالتزام لكلمة التوحيد، وإن وقع بناقض من النواقض أو امتنع عن شيء من شروط (لا إله إلا الله) ومبانيها، انقطعت العصمة، على التفصيل في الخلاف المعروف في تلك المباني .. ومع مراعاة شروط التكفير وموانعه.

ويفهم هذا من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن:"فإن هم أجابوك إليها"أي كلمة التوحيد المستلزمة للتبرّي من دينهم الباطل -"فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات .."الحديث.

ولذلك فلو مات من أقر بكلمة التوحيد وبرئ من الشرك وأهله بعد إقراره مباشرة، ولم يقم بأي عمل من أعمال الإسلام المفروضة، لعدم وجوبها عليه، كأن يسلم وقت الضحى ويموت قبل دخول وقت الظهر، فإنه يموت مسلمًا مؤمنًا قد قام بالإيمان الواجب عليه.

وهذا مثل ذلك الرجل الذي أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة [1] فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال"أسلم ثم قاتل". فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا"

فهو لم يعمل بعد دخوله في الإسلام، إلا ما وجب عليه في ذلك الوقت وهو نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومات دون أن يركع لله ركعة.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك"اهـ [2]

ويقول:"إن الله لما بعث محمدًا رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان .. ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنًا تام الإيمان"

(1) رواه البخاري وغيره من حديث البراء، وذكر ابن حجر في الفتح (كتاب الجهاد) باب (عمل صالح قبل القتال) أن الغزوة كانت أحد، وذكر عن مغازي ابن إسحاق بإسناد صحيح أن أبا هريرة كان يقول فيه:"رجل دخل الجنة ولم يصل صلاة"وأن اسمه عمرو بن ثابت، فافهم القصة جيدًا ولا يلبس عليك مرجئة العصر ويأتوك بلفظ النسائي مبتورًا، أن رجلًا قال للنبي في غزوة:"لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خير لي ولم أصل صلاة؟ قال: نعم"ويزعمون أن هذا كان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم تاركًا للصلاة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا كفّره، بل كان من أصحابه وأخرجه معه مجاهدًا وأخبره بأنه لو مات على ذلك لمات على خير .. فسحقًا لهذه الأفهام والعقول التي لا تشترى ولا بالبقول. إذ قد علمت أن هذا الرجل قد أسلم في تلك الغزوة للتو. وروايات الحديث يبيّن بعضها بعضًا.

(2) مجموع الفتاوى (11/ 519) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت