فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 220

الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا. قال تعالى عام حجة الوداع (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) ). ا. هـ [1]

فالأمر بعد اكتمال الشريعة كما روى البخاري عن وهب بن منبه أنه قيل له:"أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله"؟ قال:"بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح".

فـ"لا إله إلا الله"لها لوازم ومقتضيات ونواقض ومبطلات .. فإن أتى بلوازمها واجتنب نواقضها استمرت العصمة التي دخلها بمجرد الإقرار، وإن أتى بناقض انقطعت ولم تنفعه الكلمة المجردة بعد ذلك.

* وبهذا وأمثاله تفهم معنى إنكار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أسامة لما قتل رجلًا بعد أن نطق بكلمة التوحيد، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله".. فتلفظه بها إظهار للدخول في الإسلام، فيعامل بها وبما تستلزمه من عصمة، حتى يصدر منه ناقض يقطع تلك العصمة، وإنما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أسامة قطعه بأنه قالها تقية مخافة السيف، وما يدريه لعله صادق سيجتنب نواقضها ويلتزم مقتضياتها وحقوقها بعد ذلك .. فـ"لا إله إلا الله"مفتاح الدخول إلى الإسلام، يعصم بها دم الداخل ابتداء ثم لا يدوم إسلامه ولا تستمر عصمته بعد ذلك، إلا بالتزام شروط ذلك المفتاح واجتناب نواقضه .. إذ الدخول في الإسلام شيء، ودوام صحته بعد ذلك واستمرارها وعدم انتقاضه شيء آخر ..

يقول الحافظ في الفتح عند الكلام على حديث:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"باب (قتل من أبى قبول الفرائض) من كتاب استتابة المرتدين:"وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا [2] ، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله:"إلا بحق الإسلام"."

(1) مجموع الفتاوى (7/ 518)

(2) قوله (الراجح) إشارة إلى الخلاف، وأن الحافظ يرجح هذا، والراجح أن يحكم له بالإسلام ابتداء ويدخل في العصمة ما دام قد تلفظ بالكلمة للدخول في الإسلام، ولا مانع من التثبت، لقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا .. } إلى قوله: {فتبينوا} فنهانا الله عز وجل عن نفي الإسلام عمن أعلن الدخول فيه إلا أن يظهر بعد ذلك ناقضًا أو مكفرًا - دون مانع من موانع التكفير. فعندئذ ينتفي الإسلام وتنقطع العصمة، فالدخول في الإسلام وابتداء العصمة شيء، واستمرار صحتها وصحة الإسلام شيء آخر، وهو ما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم:"إلا بحق الإسلام". كما أشار الحافظ، وهذا الكلام على الداخل للإسلام حديثًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت