فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 220

العلم إلا ما وافق أهواءهم، فينطلقون إلى تلك النصوص المطلقة، فيبنون عليها مذاهبهم الفاسدة وشبهاتهم الساقطة، ويكتمون مقيداتها. وهذه في الحقيقة ليست مخالفة لطريقة أهل العلم وحسب، بل هي بلا شك من التلاعب في دين الله وافتراء الكذب على الله سبحانه، إذ هو تحريف للكلم عن مواضعه، وتعد لحدود الله التي حدها ووضع كلامه عليها، وتدليس وتلبيس (( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) )

وكذلك يفعلون بالنصوص التي تروى عن الأئمة، فيقطعون كلامهم، أو يأخذون منها ما يوافق أهواءهم، ونحن وإن كنا نعتقد بأنه لا حجة في الدين بغير كلام الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أنه من الإنصاف أن لا يحمّل كلام أحد ما لا يحتمله، وأن يحمل المطلق من عباراتهم على المقيد منها في المسألة الواحدة، لا كما يفعله هؤلاء الضُلاّل من ذكر ما يوافق مذاهبهم الفاسدة وطرح ما لا يوافقها أو التكتم عليه .. وهذا مناقض للأمانة. وليس هو من طريقة السلف وأهل الحديث، بل هذا منهج أهل الأهواء الذين من أخبثهم المرجئة .. فأهل الأهواء يروون ما لهم فقط، وأما أهل الحديث فيروون ما لهم وما عليهم.

ومن أمثلة هذا مما قد يتعلق به هؤلاء في موضعنا هذا مما ينسب للإمام أحمد أنه اتبع الزهري في قوله: كانوا يرون الإسلام الكلمة، والإيمان العمل.

ليحكموا بالإسلام على من اكتفى بالشهادتين وإن لم يلتزم الأعمال والفرائض دهره .. ثم يخلصون منه إلى إسلام من تلفظ بهما وإن جاء بقراب الدنيا من النواقض .. ليصلوا في النهاية إلى إلى هدم الدين وطمس أوثق عراه ومحو آثاره ومعالمه الأصيلة .. شعروا أو من حيث لا يشعرون.

فيقال لهم: على رسلكم .. فما هكذا تورد الإبل .. فقد تكلم شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى على هذه العبارة فقال:

"وهذا على وجهين: فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام الذي بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)."

وقد يراد به الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام. لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة. بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها.

وأحمد إن كان أراد في هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط، فكل من قالها فهو مسلم، فهذه إحدى الروايات عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت