فلا يصح عندئذ تنزيله على المقام المحمود، لعدم وجود خصوصية له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن غيره في ذلك، فيتعين المصير إلى القول الأول، وهو الذي صحت به الأدلة.
الرابع: المقام المحمود هو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين الله تعالى وبين جبريل عليه السلام:
وورد ذلك في تفسير ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال، ولكن لا يصح لأن الحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، فلا يصح الاحتجاج به، والأثر ذكره الحافظ في الفتح:
ـ (( عن سَعِيد بْن أَبِي هِلال أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُون يَوْمَ الْقِيَامَة بَيْنَ الْجَبَّار وَبَيْنَ جِبْرِيل , فَيَغْبِطُهُ لِمَقَامِهِ ذَلِكَ أَهْل الْجَمْع ) ) [1] .
الخامس: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم معه على الكرسي:
قاله مجاهد وقد ذكره عنه الطبري والقرطبي وغيرهما، وهذا القول باطل، وفاسد من عدة أوجه وذكروا في ذلك حديثًا رواه الديلمي في مسنده، وهو حديث باطل لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحال، وهو واضح البطلان لمخالفته عقيدة المسلمين في الاستواء والعلو لله تبارك وتعالى، وقال الشوكاني وغيره هذا الحديث يجب النظر في إسناده.
ـ وقبل أن نشرع في ذكر تفسير هذه الآية الكريمة، نوضح فساد هذا القول وعدم صحته، وذلك من عدة أوجه هي:
1 ـ حديث (يجلسني على العرش) حديث باطل
قال الشيخ الألباني رحمه الله: باطل .. ذكره الذهبي في العلو (55 طبعة الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبدالله بن مسعود قال بينا أنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرأ عليه حتى بلغت (عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا) قال: فذكره.
وقال الذهبي: (( هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود ) )
(1) فتح الباري (8/ 251) وقد قال الحافظ بعده مرسل ورجاله ثقات، ومعلوم أن مع كون رجاله ثقات إلا أن ذلك لا يصحح الحديث مع وجود الإرسال.