ومن الأشياء التي تبين أن المكذبين بالشفاعة إنما كذبوا بها لسوء فهمهم لكتاب الله تعالى، وبعدهم عن سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجهلهم بها، ما رواه الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله:
عن يزيد الفقير قال: كنا بمكة من وطانها، وكان معي أخ لي يقال له طلق بن حبيب، وكنا نرى رأي الحرورية، فبلغنا أن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه قدم، وكان يلزم في كل موسم فأتيناه.
فقلنا له: بلغنا عنك قول في الشفاعة، وقول الله عز وجل يخالفك.
فنظر في وجوهنا وقال: من أهل العراق أنتم؟
فقلنا: نعم.
فتبسم أو ضحك، وقال: أين تجدون في كتاب الله عز وجل؟
قلنا: حيث يقول ربنا عز وجل في كتابه (( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) )، وقال عز وجل (( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ) )وقوله (( كلما أردوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ) )، وأشباه ذلك من القرآن.
فقال رضي الله عنه: أنتم أعلم بكتاب الله عز وجل أم أنا؟
قلنا: بل أنت أعلم به منا.
قال رضي الله عنه: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولقد شهدت تأويله من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن الشفاعة في كتاب الله عز وجل لمن عقل.
قلنا: وأين الشفاعة؟
قال: في سورة المدثر، قال فقرأ علينا (( ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ) [1] .
ثم قال رضي الله عنه: ترونها حلت لمن يشرك بالله شيئًا، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (( إن الله عز وجل خلق الخلق، ولم يستعن على ذلك أحدًا، ولم يشاور فيه أحدًا، ثم أماتهم، ولم يستعن على ذلك أحدًا، ولم يشاور فيه أحدًا، فأدخل من شاء الجنة برحمته، وأدخل من شاء النار بذنبه، ثم إن الله تبارك وتعالى تحنن على الموحدين، فبعث بملك من قبله بماء ونور،
(1) سورة المدثر الآيات (41 - 48) .