وَقِيلَ الشَّفَاعَة لِخُرُوجِ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان [1] ، لأَنَّ شَفَاعَة غَيْره تَقَع فِيمَنْ فِي قَلْبه أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ عِيَاض؛ وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هَذِهِ مُرَادَة مَعَ الأُولَى، لأَنَّهُ يَتْبَعهَا بِهَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي حَدِيث الشَّفَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب الرِّقَاق.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث: يُحْتَمَل أَنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي يَخْتَصّ بِهَا أَنَّهُ يَشْفَع لأَهْلِ الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر وَغَيْره إِنَّمَا يَشْفَع لأَهْلِ الصَّغَائِر دُون الْكَبَائِر [2] .
وَنَقَلَ عِيَاض أَنَّ الشَّفَاعَة الْمُخْتَصَّة بِهِ شَفَاعَة لا تُرَدُّ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس"وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة فَأَخَّرْتهَا لأُمَّتِي، فَهِيَ لِمَنْ لا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا"وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب"فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ"فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّفَاعَةِ الْمُخْتَصَّة فِي هَذَا الْحَدِيث إِخْرَاج مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلا التَّوْحِيد، وَهُوَ مُخْتَصّ أَيْضًا بِالشَّفَاعَةِ الأُولَى، لَكِنْ جَاءَ التَّنْوِيه بِذِكْرِ هَذِهِ، لأَنَّهَا غَايَة الْمَطْلُوب مِنْ تِلْكَ لاقْتِضَائِهَا الرَّاحَة الْمُسْتَمِرَّة، وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الشَّفَاعَة فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد"ثُمَّ أَرْجِع إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَة فَأَقُول: يَا رَبّ اِئْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَيَقُول: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ"وَلا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم قَبْل قَوْله"وَعِزَّتِي"فَيَقُول"لَيْسَ ذَلِكَ لَك، وَعِزَّتِي. . إِلَخْ، لأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لا يُبَاشِر الإِخْرَاج كَمَا فِي الْمَرَّات الْمَاضِيَة، بَلْ كَانَتْ شَفَاعَته سَبَبًا فِي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ا. هـ [3] "
(1) ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي وابن ماجه أن المؤمنين يشفعون عند الله لإخوانهم، وأن الله تبارك وتعالى يأذن لهم في أن يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ونص الحديث: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ قَالَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا قَالَ وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إِلَى عَظِيمًا) رواه النسائي (4924) ، وابن ماجه (59) . والحديث صححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي برقم (4637) ، فيتبين أن القول باختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإخراج من كان في قلبه ذرة من الإيمان غير صحيح بل هو من أنواع الشفاعات التي تشاركه فيه أمته - صلى الله عليه وسلم -، ومما لا شك فيه أنه سيدهم في ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
(2) لعله رحمه الله استدل بحديث أن أسعد الناس بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - هم أهل الكبائر من أمته، ولكن ليس فيه أن غيره - صلى الله عليه وسلم -، يمنع من الشفاعة في أهل الكبائر، ولم يرد نص بذلك، وإنما ورد النص باختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بالشفاعة الكبرى دون غيره، والله تعالى أعلم.
(3) فتح الباري (1/ 575 - 576) .