الصفحة 108 من 298

[وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُولَى]

أي: من الدنيا، وذلك لأن الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر [1] ، وموضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، كما جاء ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] . ولهذا لما خير الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في مرضه بين أن يعيش في الدنيا ما يعيش وبين ما عند الله، اختار ما عند الله، كما أعلن ذلك - صلى الله عليه وسلم - في خطبته حيث قال وهو على المنبر: «إن عبدًا من عباد الله خيره الله بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين ما عنده فاختار ما عنده» ، فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - وتعجب الناس من بكائه كيف يبكي من هذا، ولكنه - رضي الله عنه - كان أعلم الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] . علم أن المخير هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنه اختار ما عند الله وهو الاخرة، وأن هذا إيذان بقرب أجله.

[وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى]

[وَلَسَوْفَ] اللام هذه أيضًا للتوكيد وهي موطئة للقسم، و [سَوْفَ] تدل على تحقق الشيء لكن بعد مهلة وزمن.

[يُعْطِيكَ رَبُّكَ] أي يعطيك ما يرضيك فترضى، ولقد أعطاه الله ما يرضيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة مقامًا محمودًا، يحمده فيه الأولون

(1) أخرجه البخاري، (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) ، رقم (3244) ولفظه: «قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ [فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ] » .

(2) المرجع نفسه، رقم (3250) ولفظه: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .

(3) أخرجه البخاري، (باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة) ، رقم (3904) ، ومسلم، (باب مِنْ فَضَائِلِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه -) ، رقم (6320) . ولفظه: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت