الصفحة 115 من 298

حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» [1] . وتلا قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: 102) .

وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للاخرة.

وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه (فتح الباري) وكان قاضي القضاة بمصر، أنه مر ذات يوم وهو على عربته تجره البغال والناس حوله، مر برجل يهودي سمان يعني: يبيع السمن والزيت، ومن المعلوم أن الذي يبيع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» [2] ، فكيف أنا أكون بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟ فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الثواب والنعيم، لأن الدنيا بالنسبة للاخرة ليست بشيء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [3] ، وأما أنت أيها اليهودي: فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سببًا في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

ثم قال عز وجل: [وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى] يعني أي شيء يغني

عنه ماله إذا بخل به وتردى هو. أي: هلك أي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئًا.

(1) أخرجه البخاري، (بَاب قَوْلِهِ [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ] ) ، رقم (4686) .

(2) أخرجه مسلم، (الزهد والرقائق، باب: 1) ، رقم (7606) .

(3) تقدم تخريجه في هامش (68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت