وهكذا كل نسان إما أن يموت مبكرًا، وإما أن يُعمّر فيرد إلى أرذل العمر فهل هذه حياة؟ ... الحياة هي ما بينه الله عز وجل: [وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ] يعني لهي الحياة التامة [لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: 64) . يقول هذا: [يلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى] يتمني لكن لا يحصل [وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى] .
[فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ]
فيها قراءتان:
الأولى: [لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ] أي لا يعذب عذاب الله أحد، بل عذاب الله أشد، ولا يوثق وثاق الله أحد، بل هو أشد.
الثانية: [لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ] يعني في هذا اليوم لا أحد يعذب عذاب هذا الرجل، ولا أحد يوثق وثاقه، ومعلوم أن هذا الكافر لا يعذب أحد عذابه في ذلك اليوم، لأنه يُلقى على أهل النار في الموقف العطش الشديد، فينظرون إلى النار كأنها السراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في شدة الحر من البقاع حتى يخيل إليه أنه الماء، ينظرون إلى النار كأنها سراب وهم عطاش، فيتهافتون عليها يذهبون إليها سراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشرب، فإذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها:
[أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا] (الزمر: 71) . قد قامت عليكم الحجة فيوبخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذاب قلبي وألم نفسي قبل أن يذوقوا ألم النار، وفي النار يوبخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا. ويقولون [قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ] قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: [اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ] (المؤمنون: 106 ـ 108) . أبلغ من هذا الإذلال [اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ] يقوله أرحم الراحمين، فمن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحم لهم، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أهون أهل النار عذابًا من عليه نعلان يغلي منهما دماغه، ولا يرى أن أحدًا أشد