الصفحة 152 من 298

خَيْرًا لَهُ» [1] ، مطمئن راض بقضاء الله وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يبطر عند النعم، بل هو شاكر عند النعم، صابر عند البلاء، فتجده مطمئنًا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئن، إذا أصابه البلاء جزع وسخط، ورأى أنه مظلوم من قبل الله ـ والعياذ بالله ـ حتى إن بعضهم ينتحر ولا يصبر، ولا يطمئن، بل يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال ليس عنده زوجة، ليس له قوم يحمونه، فيقول: أنا لست في نعمة، لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي، فلا يرى لله عليه نعمة، لأنه ضعيف الإيمان فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناس الان يذهبون إلى كل مكان ليرفهوا عن أنفسهم ليزيلوا عنها الألم والتعب، لكن لايزيل ذلك حقاًّ إلا الإيمان، الإيمان الحقيقي الذي يؤدي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمنة، مؤمنة في الدنيا، آمنة من عذاب الله يوم القيامة، قال بعض السلف كلمة عجيبة قال: (لَوْ يَعْلَمُ المُلُوكُ وأبناءُ المُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ لَجَالَدُونا عَلَيْهِ بِالسّيُوفِ) [2] ، لا يوجد أحد أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم في الظاهر، يعني نعومة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوب مرقع، وكوخ لا يحميه من المطر، ولا من الحر، ولكنه مؤمن، دنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك، لأن قلبه مستنير بنور الله، بنور الإيمان، وها هو شيخ الإسلام ... ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حبس وأوذي في الله عز وجل، فلما أدخل الحبس وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: [فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ] (الحديد: 13) . يقول هذا تحدثًا بنعمة الله لا افتخارًا. ... ثم قال: (ما يصنع أعدائي بي؟) أي شيء يصنعون؟ (أنا جنتي وبستاني في صدري) أي: الإيمان والعلم واليقين (إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة،

(1) تقدم تخريجه في هامش (60) .

(2) هذه المقولة لـ (إبراهيم بن أدهم) مخاطبًا أبا يوسف الغسولي ومعهم إبراهيم بن بشار، كما ذكره البيهقي في (الزهد الكبير) ، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت