وإخراجي من بلدي سياحة) [1] إن نفوه من البلد، هذا هو اليقين، هذه الطمأنينة، والإنسان لو دخل الحبس كان يفكر ما مستقبلي، ما مستقبل أولادي، وأهلي، وقومي، وشيخ الإسلام (رحمه الله) يقول: (جنتي في صدري) وصدق. ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: [لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى] (الدخان: 56) . يعني في الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، ومعلوم أن الجنة لا موت فها لا أولى ولا ثانية، لكن لما كان نعيم القلب ممتدًا من الدنيا إلى دخول الجنة صارت كأن الدنيا والاخرة كلها جنة وليس فيها إلا موتة واحدة.
[رَاضِيَةً] بما أعطاك الله من النعيم [مَرْضِيَّةً] عند الله عز وجل كما قال تعالى: [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ] (المجادلة: 22) .
[فَادْخُلِى فِى عِبَادِى]
أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم، لأن الصالحين من عباد الله الذين أنعم الله عليهم، الذين هم خير طبقات البشر، والبشر طبقاته ثلاث: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون، وكل هذه الطبقات مذكورة في سورة الفاتحة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ] .
الطبقة الأولى: الذين أنعم الله عليهم وهم: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون.
والثانية: [الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ] وهم اليهود وأشباه اليهود من كل من علم الحق وخالفه، فكل من علم الحق وخالفه ففيه شبه من اليهود، كما قال سفيان بن
عيينة (رحمه الله) : (مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ اليَهُودِ) [2] .
والثالثة: [الضَّالّونَ] وهم النصارى الذين جهلوا الحق، أرادوه لكن عموا عنه، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: (وَكُلُّ مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا عُبّادِنَا
(1) هذه المقولة رواها عنه (ابن القيم الجوزية) في كتابه (الوابل الصيب) ، ص (67) .
(2) هذه المقولة بتمامها مما يلي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) وابن القيم الجوزية في (إغاثة اللهفان) .