أقصاهم مثل أدناهم كما جاء في الحديث: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ» [1] .
[وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ] أي جثث بني آدم تلقيها يوم القيامة، تلقي هذه الجثث فيخرجون من قبورهم لله عز وجل، كما بدأهم أول خلق، أي كما خرجوا من بطون أمهاتهم يخرجون من بطون الأرض، وأنت خرجت من بطن أمك حافيًا، عاريًا، أغرل إلا أن بعض الناس قد يخلق مختونًا لكن عامة الناس يخرجون من بطون أمهاتهم غرلًا كذلك تخرج من بطن الأرض يوم القيامة حافيًا ليس عليك نعال، عاريًا ليس عليك كساء، أغرل لست مختونًا، ولما حدّث النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قالت عائشة: يا رسول الله: الرجال والنساء جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» [2] ، الأمر شديد، كل إنسان لاهٍ عن نفسه [لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ] (عبس: 37) .
والإنسان إذا تصور الناس في ذلك الوقت مجرد تصور فإنه يرتعب ويخاف، وإذا كان عاقلًا مؤمنًا عمل لهذا اليوم.
ثم أعاد وقال: [وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ] تأكيدًا لاستماعها لربها وطاعتها لربها. فبعد أن كانت مدورة فيها المرتفع والنازل صارت كأنها جلد ممتدة امتدادًا واحدًا.
[يأَيُّهَا الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا]
[كَادِحٌ] ، الكادح: هو الساعي بجد ونوع مشقة.
[إِلَى رَبِّكَ] يعني أنك تكدح كدحًا يوصلك إلى ربك، كدحًا يوصل إلى الله، يعني أن منتهى كدحك مهما كنت ينتهي إلى الله، لأننا سنموت وإذا متنا رجعنا إلى الله عز وجل، فمهما عملت فإن المنتهى هو الله عز وجل [وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى] (النجم: 42) .
(1) أخرجه البخاري (بَاب [ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا] ) ، رقم (4712) ، ومسلم (باب أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا) ، رقم (501) .
(2) أخرجه البخاري (بَاب كَيْفَ الْحَشْرُ) ، رقم (6527) ، ومسلم (باب فَنَاءِ الدُّنْيَا وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، رقم (7377) ، واللفظ له.