[عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ] .
[عَبَسَ وَتَوَلَّى]
هذا العابس والمتولي هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومعنى [عَبَسَ] أي كلح في وجهه يعني استنكر الشيء بوجهه. ومعنى [تولى] أعرض.
[أَن جَآءَهُ الاَعْمَى]
الأعمى هو عبدالله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في إسلامهم، ـ ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام من تحتهم وكان طمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم شديدًا ـ فجاء هذا الأعمى يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكروا أنه كان يقول: علمني مما علمك الله ويستقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعرض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء يزدرون النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا وجه وجهه لهذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في
عبوسه وتوليه يلاحظ هذين الأمرين:
الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء.
والأمر الثاني: ألا يزدروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو محتقر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء بل من كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه.
[وَمَا يُدْرِيكَ] أي: أي شيء يريبك أن يتزكى هذا الرجل ويقوي إيمانه.