أي فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومن شاء لم يتعظ لقول الله تعالى: [وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] (الكهف: 29) .
فالله جعل للإنسان الخيار قدرًا بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر، وليس الإنسان مخير شرعًا بين الكفر والإيمان بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخير وليس كما يزعم بعض الناس مسير مجبر على عمله، بل هذا قول مبتدع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم.
[فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ] أي ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، ومن شاء لم يذكره، والموفق من وفقه الله عز وجل.
[فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ] أي أن هذا الذكر الذي تضمنته هذه الايات معظمة عند الله، والصحف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة وهي ما يكتب فيه القول.
[بِأَيْدِى سَفَرَةٍ] السفرة الملائكة، وسموا سفرة لأنهم كتبة مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب كقوله تعالى: [كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا] (الجمعة: 5) . وقيل: السفرة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة قبل أن يحرم قال: «وكنت السفير بينهما» [1] أي الواسطة. المهم أن السفرة هم الملائكة وسموا سفرة لأنهم كتبة يكتبون، وسموا سفرة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكتبة الذين
(1) لم أجد بهذا اللفظ، ولكن أورده البيهقي في السنن الصغرى، والدار قطني في سننه، وابن سعد في طبقاته، والطبراني في (المعجم الكبير) ، وأبونعيم الاصبهاني في (حلية الأولياء) وابن حبان في صحيحه، وأحمد بلفظ (وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا) ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط عن رواية أحمد: حديث حسن.