الصفحة 265 من 298

ولهذا قال: [ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ] السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني يسر له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة، ويسر له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى في قوله: [وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَينِ] (البلد: 10) . يسر له ثديي أمه يتغذى بهما، ويسر له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويسر له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.

[ثُمَّ] بعد هذا [أَمَاتَهُ] الموت مفارقة الروح للبدن.

[فَأَقْبَرَهُ] أي جعله في قبر، أي مدفونًا سترًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جثثًا ترمى في الزبال لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: [فأقبره] قال: أكرمه بدفنه [1] .

[ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ] أي إذا شاء الله عز وجل [أنشره] أي بعثه يوم النشور ليجازيه على عمله. وقوله: [ثم إذا شاء أنشره] يعني أنه لا يعجزه عز وجل أن

ينشره لكن لم يأتِ أمر الله بعد ولهذا قال: [كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ]

[لَمَّا] هنا بمعنى (لم) لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يقضِ ما أمره، أي ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لانشار هذا الميت بل له موعد منتظر، وفي هذا رد على المكذبين بالبعث الذين يقولون لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدي مكذوب؛ لأن الرسل لم تقل لهم إنكم تبعثون الآن، ولكنهم قالوا لهم إنكم تبعثون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا. ثم قال عز وجل مذكرًا للإنسان بما أنعم الله عليه.

[فَلْيَنظُرِ الإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ]

(1) لم أجد في شيء من التفاسير المعتبرة إسناد هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما، إلا ما أورده القرطبي مسندًا إلى الفراء بأنه قال (أي جعل له قبرا يواري فيه إكراما، ولم يجعله مما يلقي على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي؛ قال الفراء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت