الصفحة 27 من 298

كما قال يوسف لأخوته [قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ] (يوسف: 92) . اذهبوا فأنتم الطلقاء، فعفى عنهم - صلى الله عليه وسلم - [1] .

ولما حصل عرف الناس جميعًا أن العاقبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأن دور قريش واتباعه قد انقضى فصار الناس [يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا] أي جماعات بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا، ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحوال إلا مختفيًا، صاروا يدخلون في دين الله أفواجًا، وصارت الوفود ترد على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كل جانب حتى سمي العام التاسع (عام الوفود) .

يقول الله عز وجل إذا رأيت هذه العلامة [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ] كان المتوقع أن يكون الجواب فاشكر الله على هذه النعمة واحمد الله عليها ولكن قال: [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ] فالمعنى أنه إذا جاء نصر الله والفتح فقد قرب أجلك وما بقي عليك إلا التسبيح بحمد ربك والاستغفار [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ] أي سبحه تسبيحًا مقرونًا بالحمد.

والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله.

والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم.

اجمع بين التنزيه وبين الحمد [وَاسْتَغْفِرْهُ] يعني اسأله المغفرة. فأمره الله تعالى بأمرين: الأول: التسبيح المقرون بالحمد.

الثاني: الاستغفار، وهو طلب المغفرة.

والمغفرة ستر الله تعالى على عبده ذنوبه مع محوها والتجاوز عنها. وهذا غاية ما يريد العبد، لأن العبد كثير الذنب يحتاج إلى مغفرة إن لم يتغمده الله برحمته هلك، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» . قَالُوا وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِىَ اللَّهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» [2] .

لأن عملك هذا لو أردت أن تجعله في مقابلة نعمة من النعم، نعمة واحدة

لأحاطت به النعم، فكيف يكون عوضًا تدخل به الجنة؟

(1) أخرجه ابن حبان في (السيرة النبوية) ج 1، ص (315) .

(2) أخرجه البخاري، (بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ) ، رقم (5673) بدون لفظ (منكم) ، ومسلم، (باب لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ) ، رقم (7294) ، واللفظ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت