الموافقة أي موافقة هذا العذاب للأعمال، فذكر انحرافهم في العقيدة وانحرافهم في القول فقال: [إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا]
أي لا يؤملون أن يحاسبوا بل ينكرون الحساب، ينكرون البعث يقولون: [وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ] (الجاثية: 24) فلا يرجون حسابًا يحاسبون به لأنهم ينكرون ذلك، هذه عقيدة قلوبهم.
أما عن ألسنتهم قال: [وَكَذَّبُوا بَِايَتِنَا كِذَّابًا]
فيكذبون يقولون هذا كذب، هذا سحر، هذا جنون، وما أشبه ذلك كما جاء في كتاب الله ما يصف به هؤلاء المكذبون رسل الله، كما قال عز وجل: [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] (الذاريات: 52) . وقال الله تعالى عن المكذبين لمحمد - صلى الله عليه وسلم: [وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ] (ص: 4) . وقالوا إنه شاعر [أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ] (الطور: 30) . [وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (الحجر: 6، 7) .
ولولا أن الله ثبت أقدام الرسل وصبرهم على قومهم ما صبروا على هذا الأمر،
ثم إن قومهم المكذبين لهم لم يقتصروا على هذا بل آذوهم بالفعل كما فعلوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام من الأذية العظيمة بل آذوهم بحمل السلاح عليهم، فمن كانت هذه حاله فجزاؤه جهنم جزاءً موافقًا مطابقًا لعمله.
[وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا]
[وَكُلَّ شَىْءٍ] يشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير.
[أَحْصَيْنَهُ] أي ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف.
[كِتَبًا] يعني كتبًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، ومن جملة ذلك أعمال بني آدم فإنها مكتوبة