، بل كل قول يكتب، قال الله تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: 18) . رقيب يعني مراقب، والعتيد يعني الحاضر. ودخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض يئن من مرضه فقال له: يا أبا عبدالله إن طاووسًا وهو أحد التابعين المشهورين يقول: إن أنين المريض يكتب، فتوقف رحمه الله عن الأنين خوفًا من أن يكتب عليه أنين مرضه [1] . فكيف بأقوال لا حدّ لها ولا ممسك لها، ألفاظ تترى طوال الليل والنهار ولا يحسب لها الحساب، فكل شيء يكتب حتى الهم يكتب إما لك وإما عليك، من همّ بالسيئة فلم يعملها عاجزًا عنها فإنها تكتب عليه، وإن هم بها وتركها لله فإنها تكتب له، فلا يضيع شيء كل شيء أحصيناه كتابًا.
[فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا]
هذا الأمر للإهانة والتوبيخ، يعني يقال لأهل النار: ذوقوا العذاب إهانة وتوبيخًا فلن نزيدكم إلا عذابًا ولن نخفف عنكم بل ولا نبقيكم على ما أنتم عليه لا نزيدكم إلا عذابًا في قوته ومدته ونوعه، وفي آية أخرى أنهم يقولون لخزنة جهنم: [ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ] (غافر: 49) . تأمل هذه الكلمة من عدة أوجه:
أولًا: أنهم لم يسألوا الله سبحانه وتعالى وإنما طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم. لأن الله قال لهم: [اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ] (المؤمنون: 108) . فرأوا أنفسهم أنهم ليسوا أهلًا لأن يسألوا الله ويدعوه إلا بواسطة.
ثانيًا: أنهم قالوا: [ادْعُوا رَبَّكُمْ] ولم يقولوا: ادعوا ربنا، لأن وجوههم وقلوبهم لا تستطيع أن تتحدث أو أن تتكلم بإضافة ربوبية الله لهم أي بأن يقولوا ربنا، عندهم من العار والخزي ما يرون أنهم ليسوا أهلًا لأن تضاف ربوبية الله إليهم بل قالوا [رَبَّكُمْ] .
(1) ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (الفتاوى الكبرى) ج (5) ص (182) دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى، 1386، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، ونصه: ... «قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى فما أن أحمد حتى مات» .