الصفحة 54 من 298

أن يقع فيه التفاخر، ويدل لذلك قول صاحب الجنة لصاحبه: [أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا] (الكهف: 34) .

فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الاخر مالًا وأوسع تجارة، وقد يتكاثر الإنسان بقبيلته، يقول نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر:

ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر

أكثر منهم حصى؛ لأنهم كانوا فيما سبق يعدون الأشياء بالحصى. فمثلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والاخرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أكثر وأعز.

كذلك يتكاثر الإنسان بالعلم، فيكاثر به على غيره، لكن إن كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإن كان بالعلم غير الشرعي فهو إما مباح وإما محرم.

وهذا هو الغالب على بني آدم، يتكاثرون في هذه الأمور عما خلقوا له من عبادة الله عز وجل.

وقوله: [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] يعني إلى أن زرتم المقابر، إلى أن مُتّم، فالإنسان مجبول على التكاثر إلى أن يموت، بل كلما ازداد به الكِبر ازداد به الأمل، فهو يشيب في السن ويشب في الأمل، حتى إن الرجل له تسعون سنة مثلًا تجد عنده من الامال وطول الأمل ما ليس عند الشاب الذي له خمس عشرة سنة. أي: أنكم تلهوتم بالتكاثر عن الاخرة إلى أن متّم.

وقيل: إن معنى [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي الإنسان فيقول: أنا قبيلتي أكثر من قبيلتك وإذا شئت فاذهب إلى القبور عد القبور منا، وعد القبور

منكم فأينا أكثر؟ لكن هذا قول ضعيف بعيد من سياق الاية.

استدل عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ بقوله [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] على أن الزائر لابد أن يرجع إلى وطنه، وأن القبور ليست بدار إقامة، وكذلك يذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قاريء يقرأ: [أَلْهَكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت