شرعي، فالتجديد بهذا المعنى يتطلب توافر شرائط تواضع عليها العلماء لضمان سلامة اجتهاد المجتهد حال طلبه الحكم الشرعي، وهي شرائط صالحة للاستصحاب للتجديد بمعناه الموازي للاجتهاد الأصولي، بغية صون التجديد -بمعناه المذكور- عن الانحراف والخلل.
فيتعين على المجدد المجتهد أن يحصل أدوات الاجتهاد وشرائطه التي نص عليها الأصوليون في مصنفاتهم، وإلا استحال التجديد -من دونها- إحداثًا في الدين لا تجديدًا، وافتراء على الشريعة وتقوُّلًا عليها بغير علم، بل ولاستحال التجديد حينئذ ضربًا من اتباع الهوى والتشهي والاستحسان العقلي، ولكانت ثمة فسحة لأن يقول من شاء في دين الله ما شاء، من عوام الناس وأشباههم من الجهال والمتجرئين على الإفتاء والمتقحمين لأسوار الشريعة بلا فقه أو دراية، كيف مع قلة ورع وضعف ديانة، قال المناوي في شرح حديث التجديد في دلالة ("من": أي مجتهدًا واحدًا أو متعددًا؛ قائمًا بالحجة، ناصرًا للسنة، له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته؛ من قلب حاضر وفؤاد يقظان) [1] .
والحاصل: أن التجديد عملية يشترط لها من شرائط الأهلية ما يتناسب مع مجالها ونوعها، فإذا أريد بالتجديد معنى الاجتهاد الأصولي وهو"بذل الوسع في تحصيل حكم شرعي"فإنه يلزم للمجدد من الشروط ما يلزم للمجتهد، ويمكننا استمداد شروط المجدِّد من واقع دراسات الأصوليين في"شروط المجتهد" [2] ، بيد أن درجة توافر هذه الشروط فسرها الأصوليون حين قرروا أن العبرة في شروط المجتهد حصول جملتها، كما قال الزركشي في البحر المحيط: (الشرط في ذلك كله معرفة جُمَله لا جميعه، حتى لا يبقى عليه شيء، لأن هذا لم نره في السادة القدوة من الصحابة، فقد كان يخفى على كثير منهم أدلة الأحكام فيعرفونها من الغير) [3] .
وطبقا لما سبق يمكننا أن نفهم ما صرح به بعض العلماء من اشتراط كون المجدد عالمًا، فقد نقل المناوي عن العلماء قولهم في صفة المجدد: (ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة
(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (1/ 11) .
(2) يمكننا إجمال شروط المجتهد -طبقا لما جاء في مصنفات أهل الأصول- على النحو التالي:
• ... معرفة آيات الأحكام.
• ... معرفة أحاديث الأحكام.
• ... معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة.
• ... معرفة مسائل الإجماع ومواقعه.
• ... معرفة وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية.
• ... معرفة علوم اللغة العربية؛ من لغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب.
• ... معرفة أصول الفقه.
• ... معرفة المقاصد العامة للشريعة.
(3) البحر المحيط (6/ 203 - 204) ، وانظر الطوفي في شرح مختصر الروضة (3/ 584 - 585) .