وإن إعمال"منهجيه الضوابط"بمعزل عن اعتبار ضابطها العام هذا يوشك أن يحيلها إلى مغالطة للشريعة في مقاصدها، بل ضرب من الغلط في الحكم، فإذا أعمل المجتهد الضابط كالغرر مثلا دون اعتبار لمقاصد الشريعة في المعاملات فقد يفضي ذلك إلى مناقضة الشريعة في مساراتها وأوضاعها التشريعية، ولعل هذا المأخذ مما حمل الفقهاء السابقين على عدم إفراد منهجية الضوابط ضمن وحدة موضوعية مستقلة؛ على اعتبار أنها من ثمرات تحصيل أصول الاستدلال الكبرى في الشريعة، هذا إلى جانب بساطة إجراء العقود والمعاملات في زمانهم مما أتاح لهم اتباع منهجية التعمق في دراسة مسائل وفروع كل عقد على حدة.
ولإيضاح ما نحن بصدد بيانه من ضرورة رعاية الضابط العام كركيزة في إعمال منهجية الضوابط فسأمثل بمثال يكثر التعرض له في الاجتهاد المالي -قديمًا وحديثًا- وهو تطبيق"قاعدة الغرر" [1] ، فقد عد الفقهاء الغرر أحد المباحث الرئيسة في منهج الحكم على المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية، واتفقوا على اعتبار الغرر من أبرز أسباب الفساد التي يدور عليها منع المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية [2] ، كما ورد النهي عن الغرر -نصًا صريحًا- في السنة [3] ، ولذا فقد اعتنى به الفقهاء -قديمًا وحديثًا-، وفرعوا عليه الكثير من الأحكام [4] ، حتى قال النووي: (وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة) [5] ، كما عدّ ابن العربي المالكي قاعدة الغرر من القواعد الأربع الكبرى التي ترجع إليها المعاملات المالية كافة [6] .
وإنه على الرغم من منزلة قاعدة الغرر في منهجة الضوابط المالية في الشريعة الإسلامية، وأن مفسدة الغرر ظاهرة في الظلم وأكل الباطل وإشاعة أسباب الخصومة والنزاع بين المتعاملين [7] ، إلا أن المبالغة والتشديد في تطبيق قاعدة الغرر منعا وتحريما -وبمعزل عن اعتبار مقاصد الشريعة- أن ذلك يفضي بالضرورة إلى فتح باب التحايل المذموم على أحكام الشريعة نتيجة التعسير والتشديد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررًا فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة، وإما أن يحتال، وقد رأينا
(1) وقد اختار الباحث في رسالته تعريف الغرر الممنوع بأنه: (الجهل الكثير الداخل على المقصود من المعاوضات المالية بلا حاجة؛ من جهة وجوده أو القدرة عليه أو أجله أو قدره أو جنسه أو نوعه أو صفته) ، وانظر: رسالة الدكتوراه للباحث"منهج الحكم على المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية"ص 159.
(2) ونقل بعضهم الإجماع عليه، وانظر: المجموع للنووي (9/ 311) ، وشرح صحيح مسلم للنووي (5/ 416) ، والفروق للقرافي (3/ 265) ، بداية المجتهد لابن رشد (2/ 155) ، شرح الزرقاني على موطأ مالك (3/ 132 - 133) .
(3) رواه مسلم (3/ 1153) ، ح (1513) ، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (21/ 135) .
(4) انظر الرسالتين العلميتين القيمتين في موضوع الغرر، الأولى: الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي .. د. الصديق محمد الأمن الضرير، والثانية: نظرية الغرر في الشريعة الإسلامية .. د. ياسين أحمد إبراهيم درادكه.
(5) شرح النووي على صحيح مسلم (11/ 156) بتصرف، وممن صرح بأن مسائل الغرر كثيرة جدًا ابن عبد البر في التمهيد (21/ 138) ، وابن القيم في شرح تهذيب السنن (5/ 47 - 47) ، والزرقاني في شرحه على موطأ مالك (3/ 132) .
(6) فقال تعليقا على آية النهي عن أكل الباطل في سورة البقرة آية (188) ما نصه: (هذه الآية من قواعد المعاملات، وأساس المعاوضات ينبني عليها، وهي أربعة، هذه الآية، قوله تعالى:(وأحل الله البيع وحرم الربا) ، وأحاديث الغرر، واعتبار المقاصد والمصالح، وقد نبهنا على ذلك في مسائل الفروع) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 137) .
(7) القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية ص 261 بمعناه.