فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 91

اتجاهات ومقررات الفكر الاقتصادي الإسلامي بعامة.

وبناء على هذه الجوانب من الأهمية -وغيرها- فقد نفى الجويني البصيرة في الاجتهاد أصلًا عمّن خفيت عليه المقاصد، فقال الجويني: (ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة) [1] ، وإنما يتحقق فقه المقاصد عند المجتهد حين يتحقق عنده العلم بفقه الموازنة بين حدود كل مقصد منها، وذلك حين يحلّ ظاهر التعارض بين مقصدين شرعيين تواردا على حكم مسألة واحدة.

وفي مقام المفاضلة بين المذاهب في الموقف من الربا والغرر فقد جوّد ابن تيمية مذهب مالك ثم مذهب أحمد على من سواهما، وإنما كان ذلك نظرًا لتغليبهما اعتبار المقاصد الشرعية في فقه المعاملات المالية على وجه يفوق من سواهما، وفي ذلك يقول ابن تيمية: (ففي الجملة أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعًا محكمًا، مراعين لمقصود الشريعة وأصولها، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة، ويدل عليه معاني الكتاب والسنة) [2] .

ومن المسائل الفقهية الاجتهادية التي يتمثل فيها رعاية الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- لأثر المقاصد في أحكام المعاملات المالية مسألة"تضمين الصُّناع"، فقد قال الشاطبي: (إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصُّناع، قال علي: لا يصلح الناس إلا ذاك) [3] ، وفي هذا رعاية ظاهرة لمقصد من مقاصد الشريعة، وهو حفظ الأموال من الضياع، وحمل أحوال الناس على العدل والصلاح ومجانبة الظلم والفساد.

ثالثا: نماذج من التجديد بأثر المقاصد على فقه المعاملات المالية المعاصرة:

وكثيرة هي التطبيقات المعاصرة الجديرة بالإظهار والإبراز تجديدًا لفقه المعاملات المالية كيما يستعين بها الفقهاء المعاصرون ويسيروا على هديها في ضبط الاجتهاد الاقتصادي المعاصر في ظل المقاصد الشرعية، ولنمثل بنموذجين ذوي صلة بالتجديد في فقه المعاملات المالية، أولهما في مجال بناء مقاصد المعاملات ذاتها، والآخر في مجال: تخريج الفروع المعاصرة على المقاصد الشرعية،

(1) البرهان للجويني 1/ 295.

(2) القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية ص 237 - 238، وقال في المصدر نفسه في مقامي إباحة البيوع وتحريم الربا: (إذا تبين هذا فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسبب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع ... ، ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه؛ لمن استقرأ ذلك في أجوبته، ولهذا كان أحمد موافقًا له في الأغلب، فإنهما يحرمان الربا ويشددان حق التشديد، لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه، وإن لم تكن حيلة) ص 331 - 232، وقال في مقام الشروط في البيع والشركات: (وأما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا ... وأحمد قريب منه في ذلك) ص 342 - 243.

(3) الموافقات للشاطبي 2/ 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت