وإليك بيانهما:
النموذج الأول: مقصد تحقيق التداول والرواج ومنع الحبس والاكتناز:
لقد كشفت دراساتنا في تتبع مقاصد تحريم الربا في الشريعة الإسلامية عن نتيجة غاية في الأهمية، فقد تبين لنا أن من أعظم المقاصد الاقتصادية للشريعة الإسلامية في باب المعاملات المالية هو: مقصد"تحقيق التداول والرواج ومنع الحبس والاكتناز" [1] .
ومعنى هذا المقصد أن الشريعة إنما تنظر إلى المال نظر الوسائل التي بحركتها الدائمة تنمو وتنمي غيرها من الموارد وأوجه النشاط الاقتصادي، وبكنز هذا المال وحبسه يلحق الخلل تلك الاقتصاديات جميعها؛ تماما كحركة الدم في الجسد كلما سال انتفع البدن به، وانبعثت الحياة في أعضائه، وكلما تصلب واحتبس تضرر به البدن بحسب ذلك، حتى يصل بصاحبه إلى العجز أو الهلاك.
وقد يُعَبَّر -أيضا- عن أهمية حركة المال ودورانه في المجتمع بأنه كحركة الماء والرياح، فالماء إذا سكن أسن وتكدر، وبحركته يصفو وينتفع به، والرياح بسكونها يشتد الحر وتركد السفن، ويقل الهواء النقي الصالح للحياة، وبحركتها تدور عجلة الحياة وتتجدد طبائع الأشياء، وهكذا بالنسبة إلى حركة المال ودورانه بانسياب في وحدات الاقتصاد أفرادًا وجماعات.
وقد كان من حكمة الشارع أن شرع الأحكام الكفيلة بحماية تداول المال ودورانه بشكل انسيابي؛ دون حبسه واكتنازه، ويتمثل ذلك في تشريعين عظيمين؛ أحدهما: أمر .. ويتمثل في فرض الزكاة كأحد أركان الإسلام، والآخر: نهي .. ويتمثل في تحريم الربا؛ باعتباره من أكبر الكبائر في الإسلام، والحق إن هذا التوازن التشريعي الدقيق برفع مقام الزكاة حتى جُعِلت ركنا في الدين؛ ووَضْعَ مقام الربا بجعله كبيرة عظمى بل من أكبر الكبائر؛ إنما ينبئ عن كمال سياسة الشريعة تجاه مقصد"تداول المال"، وأنها إنما تقصد إلى إشاعة المال وتسريع تداوله وتيسير أسباب حركته وانسيابه، وتمنع -في مقابل ذلك- أسباب حبسه واكتنازه.
(1) التداول لغة: التناقل من الدُّولة والدَّولة؛ بالضم في المال، وبالفتح في الحرب، وقيل: بل هما لغتان بمعنى سواء؛ في الشيء الذي يتداول به بعينه، وتداولته الأيدي: تناقلته إذا أخذته هذه مرة وهذه مرة، وأما الكنز فهو المال المدفون لغة؛ من اكتنز الشيء إذا اجتمع وامتلأ، ومنه:"ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز"وانظر: المعجم الوسيط (1/ 304) والقاموس المحيط (3/ 377) .