فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 82

قال ابن القيم: (أن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم، فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم، فإن اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن، ويدل على اسم الحي وصفة الحياة بالالتزام [1] ، وكذلك سائر أسمائه وصفاته، ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه، ومن هاهنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام، فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها، وكذلك سائر صفاته. فإن اسم العظيم له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها. وكذلك اسم العلي، واسم الحكيم وسائر أسمائه، فإن من لوازم اسم العلي العلو المطلق بكل اعتبار، فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه العلي) . [2]

و (اسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه.

وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) (الأعراف/180) ويقال: الرحمن والرحيم، والقدوس، والسلام، والعزيز، والحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز، ونحو ذلك.

فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوها معبودا، تؤلهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. وصفات الجلال والجمال: أخص باسم الله. وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع، والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم الرب. وصفات الإحسان، والجود والبر، والحنان والمنة، والرأفة واللطف أخص باسم الرحمن، وكرر إيذانا بثبوت الوصف، وحصول أثره، وتعلقه بمتعلقاته.

فالرحمن الذي الرحمة وصفه، والرحيم الراحم لعباده، ولهذا يقول تعالى: (وكان بالمؤمنين رحيما) (الأحزاب/43) ، (إنه بهم رءوف رحيم) (التوبة/117) ولم يجئ: رحمن بعباده، ولا رحمن بالمؤمنين، مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوف به.

ألا ترى أنهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبا، وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول، ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرا، كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه/5) ، (ثم استوى على العرش الرحمن) (الفرقان/59) فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) (الأعراف/156) فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كل شيء، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] : (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي) وفي لفظ: (فهو عنده على العرش) .

(1) قلت: الصواب اللزوم. والله أعلم.

(2) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر دار الكتاب العربي -بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ -1996 م، 1/ 55.

(3) حديث: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي)

رواه الشيخان في صحيحيهما والامام احمد في المسند عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني: صحيح، وانظر الحديث رقم/ 5214 في صحيح الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير. وقال الشيخ الالباني في مختصر العلو: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ:

(لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غضبي) وفي لفظ:

(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العرش) وفي لفظ آخر:

(لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رحمتي تغلب غضبي) .

حديث صحيح، وبعض ألفاظه عند الشيخين، واللفظ الأخير للترمذي، وقد خرجته في الصحيحة/1629، وفي تخريج السنة لابن أبي عاصم 608 و 609. وانظر مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي/ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى 748 هـ) ، حققه واختصره محمد ناصر الدين الألباني، الناشر المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1412 هـ-1991 م. ص 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت