فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة، ووضعه عنده على العرش، وطابق بين ذلك وبين: (الرحمن على العرش استوى) (طه/5) وقوله: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا) (الفرقان/59) ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم.
وصفات العدل، والقبض والبسط، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم، ونحوها أخص باسم الملك وخصه بيوم الدين، وهو الجزاء بالعدل، لتفرده بالحكم فيه وحده، ولأنه اليوم الحق، وما قبله كساعة، ولأنه الغاية، وأيام الدنيا مراحل إليه). [1]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته، ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمته، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم) . [2]
فائدة
دلالة الأسماء الحسنى من جهة التضمن أربعة أقسام:
(الأول: الاسم العلم المتضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى وهو الله، ولهذا تأتي الأسماء جميعها صفات له كقوله تعالى:(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر/24) ، ونحو ذلك، ولم يأت هو قط تابعا لغيره من الأسماء.
الثاني: ما يتضمن صفة ذات الله عز وجل كاسمه تعالى السميع المتضمن سمعه، الواسع جميع الأصوات، سواء عنده سرها وعلانيتها، واسمه البصير المتضمن بصره النافذ في جميع المبصرات سواء دقيقها وجليلها، واسمه العليم المتضمن علمه المحيط الذي (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (سبأ/3) . واسمه القدير المتضمن قدرته على كل شيء إيجادا وإعداما، وغير ذلك.
الثالث: ما يتضمن صفة فعل الله كالخالق الرازق البارئ المصور وغير ذلك.
الرابع: ما يتضمن تنزهه تعالى وتقدسه عن جميع النقائص كالقدوس السلام) إھ [3]
وإذا أنكر الانسان واحدًا من هذه الدلالات، فهو ملحد في الأسماء الحسنى، والواجب أن نثبت كل ما دل عليه هذا الاسم، فإنكار شيء مما دل على الاسم من الصفة إلحاد في الاسم سواء كانت دلالته على هذه الصفة دلالة مطابقة أو تضمن أو لزوم.
(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر دار الكتاب العربي -بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ -1996 م، 1/ 55 - 57.
(2) الإيمان / تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الناشر المكتب الإسلامي، عمان - الأردن، الطبعة الخامسة، 1416 هـ/1996 م، ص 148.
(3) 200 سؤال في العقيدة/ الشيخ حافظ بن احمد آل حكمي، دار الايمان ودار القمة، الاسكندرية-مصر، (السؤال/57) ، ص 53 - 54.