فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 82

قال الشيخ ابن عثيمين:(هناك قراءات خارجة عن هذا المصحف الذي أَمَرَ عثمان بجَمْعِ المصاحف عليه، وهذه القراءات صحيحة ثابتة عمَّن قرأ بها عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكنها تُعَدُّ عند القُرَّاء شاذَّة اصطلاحًا، وإنْ كانت صَحيحةً.

وقد اختلف العلماءُ رحمهم الله في هذه القِراءةِ الشاذَّةِ في أمرين:

الأمر الأول: هل تجوزُ القراءة بها داخل الصَّلاة وخارجها، أو لا تجوز؟

الأمر الثاني: هل هي حُجَّة في الحُكْمِ، أو ليست بحُجَّة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحُجَّة، ومنهم من قال: إنها حُجَّة.

وأصحُّ هذه الأقوال: أنه إذا صحَّت هذه القراءة عَمَّن قرأ بها مِن الصَّحابة فإنها مرفوعةٌ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتصحُّ القراءةُ بها في الصَّلاة وخارج الصَّلاة؛ لأنها صحَّت موصولةً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) [1]

وسئل الشيخ ابن عثيمين: (ما هي القراءات الشاذة؟ هل هي ما زاد على القراءات السبع أو العشر؟ وهل يعمل بها؟) .

فأجاب رحمه الله تعالى: (الشاذة يقولون: ما خرج عن القراءات العشر، وبعضهم يقولون: ما خرج عن القراءات السبع؛ لأن السبع متواترة وما خالفها فهو شاذ، وأما العمل بها فإذا صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب العمل بها، والصحيح أنها تجوز القراءة بها حتى في الصلاة، كقراءة ابن مسعود(فصيام ثلاثة أيام متتابعة) هذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الحق، إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو من غير طريق السبعة أو العشرة فهي حق تقرأ ويعمل بها) [2]

وقال الشيخ وليد بن راشد السعيدان: (أقول: فيه خلاف بين أهل العلم - رحمهم الله تعالى - فقال بعضهم: القراءة الشاذة حجة، وقال بعضهم: ليست بحجة. والقاعدة تنص على رجحان القول الأول وهو أن القراءة الشاذة حجة، وأن لها حكم الرفع إذا صح سندها للصحابي، والدليل على ذلك هو أن الصحابي عدل تام العدالة، ثقة مأمون ثبت، ناصح مشفق، تقيٌ نقيٌ وقد قرأ هذه الزيادة على أنها قرآن وهو جازم بذلك، ولا يتصور أبدًا فيه غير ذلك، فلا يمكن أن تكون مذهبًا له، كما يقوله البعض فإن هذا لا يمكن صدوره منهم رضي الله عنهم ولا من آحادهم، إذ كيف يجعل مذهبه قرآنًا يتلى، ويبلغه للناس على أنه قرآن، هذا مع شدتهم رضي الله عنهم وحرصهم ألا يخلط القرآن بغيره، فكيف يُجوِّز لنفسه أن يقحم مذهبه في كلام الله ويبلغه للناس ولا يخبرهم بأنه مذهبه، فلا والله لا نظن هذا فيمن هو دونهم من آحاد المسلمين فكيف بهم. ولا يتصور أن يكون قد قالها استنباطًا، فما أشبه هذا بالذي قبله، إذ كيف يتصور في الصحابي أن يجعل ما استنبطه قرآنًا يتلى، فهذا والله ظن السوء بهم - شرفهم الله وكرمهم ورفع منزلتهم عن مثل هذا الظن -. فإذًا لم يبق إلا مخرج واحد وهو أن يقال إنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المخرج الصحيح فلها إذًا حكم الرفع، فنحن وإن قلنا: إنها ليست بقرآنٍ لكنها تجري مجرى الأخبار المرفوعة، فلابد من هذا الجزم، والذي جعلنا نقول ذلك هو عدالة الصحابة جميعًا وأفرادًا فهذه الكلمة الزائدة على الرسم العثماني لها حكم الرفع فهي بمنزلة السنة القولي، ولذلك قال بعض المنصفين من أهل العلم: إن هذه الزيادات غالبًا تكون في قراءة ابن مسعودٍ وعبد الله بن عمرو بن العاص وهما من كتاب الوحي، فربما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يملي عليهم ما أنزل عليه من ربه وهم يكتبون ثم سكت ثم قال هذه الزيادة من باب التفسير لا أنها قرآن فكتبها بعضهم ظنًا منه أنها قرآن فكان يقرأ بها جازمًا بأنها قرآن لأنه سمعها من فيِّ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا اتفقنا وإياكم على أنها ليست بقرآن فإنها لا تقل عن مرتبة السنة الأحادية، وتقدم لنا أن أخبار الآحاد حجة إذا صح سندها ولم تنسخ، وبذلك تعلم أن طويلات بعض الأصوليين فيها ورده لها لا وجه له.

(1) الشرح الممتع على زاد المستقنع / الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين، 1/ ص 597 - 598.

(2) الفتاوى الثلاثية / الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين -عبارة عن أسئلة علمية متفرقة في شتى المجالات يفتتح بها الشيخ كل درس من دروسه المسائية يجيب فيها عن ثلاثة أسئلة فقط بإجابات مختصرة مفيدة، تتضمن قواعد وضوابط وفوائد وفرائد بأسلوب بسيط وإقناع بديع، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة - الإصدار 3.13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت