فحينئذ لا يجوز تقليد واحد منهم بل لا بد رد ما اختلفوا فيه إلى الكتاب والسنة (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء/59) وهذا يشمل زمن الصحابة ومن بعدهم حينئذ لا إنكار، بأن يقول: كيف هذا الكلام في شأن الصحابة؟
الأمر الثالث: إذا قال الصحابي قولًا واشتهر ذلك القول ولم يخالفه أحد من الصحابة صار إجماعًا وحجة عند جماهير العلماء متى هذا؟ إذا قال الصحابي قولًا واشتهر ولم يُعلم مخالف له صار حجة وإجماعًا لأنه إجماع سكوتي، قول الصحابي: إذا اشتهر ولم يخالفه أحد من الصحابة صار إجماعًا وحجة عند جماهير العلماء. قال ابن تيمية رحمه الله: وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، هذا قول ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء. [1]
هذه ثلاثة أحوال لأقوال الصحابة إن كان لا مجال للرأي فيه وعرفنا حكمه، إن اختلفوا فيما بينهم عرفنا حكمه، الثالث إن قال واحد منهم أو اثنان قولًا فانتشر ولم ينكر فهو حجة وإجماع ويعتبر إجماعا سكوتيًا). [2]
وقد بحث الدكتور ترحيب بن ربيعان بن هادي الدوسري موضوع حجية قول الصحابي عند السلف فقال:
(وقد توصلت ولله الحمد إلى نتائج طيبة أثناء بحثي في هذه المسألة أجمل أهم نتائجها فيما يأتي:
1 -نقلت تسعةً وعشرين أثرًا مروياُ عن الصحابة والتابعين كلها تدل على أنهم كانوا يرون حجية قول الصحابي، حتى أن بعض أهل العلم حينما رأى ذلك حكى الإجماع فيها.
2 -توصلت إلى أن الأئمة الأربعة من أصولهم الفقهية الاحتجاج بقول الصحابي مطلقًا، وقررت تلك الحقيقة بالرجوع إلى أقوال الأئمة في مؤلفاتهم الأصيلة أو ما نقل عنهم بواسطة تلاميذهم الذين أخذوا عنهم العلم مباشرة، أو الذين أصبحوا أئمة في مذاهبهم.
3 -كما توصلت أيضًا إلى أن كثيرًا ممن كتب في المسألة لم يحرر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى تحريرًا صحيحًا بل أحيانًا ينسب إلى بعضهم أقوالًا غير صحيحة لا تتناسب مع ما اشتهر عنه، وأحيانًا تعارض وتخالف ما نص عليه الإمام في آخر ما كتبه كما هو الحال مع الشافعي رحمه الله تعالى.
وبعض المنتسبين للأئمة خرَّج لهم أقوالًا غير ما نقله أئمة المذهب المتقدمين عنهم - مع العلم بأن الإمام لم يُنقل عنه إلا قول واحد - أخذًا من تصرفات الإمام في بعض المسائل المروية عنه كما هو الحال مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
4 -توصلت إلى أن من كتب في هذه المسألة قد غفل غفلةً عظيمةً عن أن الصحابي إذا قال قولًا ولم يعلم له مخالف أن ذلك القول هو فهم الصحابة رضي الله عنهم كما دلّ عليه قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر/9) إذ لو لم يكن ذلك القول موافقًا للذكر لما تكفل الله بحفظه، وعلى زعم المخالف يكون الأمر بالعكس، حيث حفظ الله الباطل بنقله وترك الحق فلم ينقله إلينا؛ وحينئذٍ فقد وصل إلينا الباطل ولم يصل إلينا الحق بل اندثر باندثار ذلك الجيل المعاصر لذلك الصحابي، وهذا باطل.
وعليه: فإني أظن أن المسألة هذه لما أُخذت بمعزل عن النظر في هذه الآية بهذه الطريقة توصل من توصل إلى القول بعدم حجية قول الصحابي.
5 -كما توصلت إلى أن أكمل البحوث في هذه المسألة - من حيث الأدلة والمناقشة - هو ما قام به الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم أعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 118 - 153) .
وأما من حيث تقسيم المسألة والاستدلال لكل قسم فهو العلائي الشافعي في كتابه إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، إلا أن ابن القيم أشمل منه وأكمل.
(1) قلت: تقدم ذكر قوله نقلا من مجموع الفتاوى 20/ 14.
(2) موقع فضيلة الشيخ أحمد بن عمر الحازمي، http://www.alhazme.net ، أصول الفقه/ شرح تسهيل الطرقات بنظم الورقات ليحيى بن موسى العمريطي الشافعي/ شرحه وعلق عليه فضيلة الشيخ أحمد بن عمر الحازمي، دروس صوتية -الشريط الثاني والأربعون.