قلت: الله سبحانه وتعالى، لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال، فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص، فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزّهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم.
فائدة
الأقيسة على ثلاث أقسام:
1 ـ قياس التمثيل: وهو القياس الأصولي وهو مساواة فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما.
وهذا القياس ممتنع في حق الله تعالى لأنه يستلزم التمثيل بينه وبين خلقه لأن فيه التسوية بين المقيس والمقيس عليه.
مثاله عند المتكلمين: قولهم بافتقار الله إلى العرش قياسًا على افتقار المخلوق إذا استوى على العرش.
فالفرع عندهم: استواء الله.
والأصل: استواء المخلوق.
والعلة: الاستواء.
والحكم: هو الافتقار.
2 ـ قياس الشمول: وهو القياس المنطقي وهو ما كان مركبًا من مقدمتين فأكثر ونتيجة بحيث تستوي الأفراد في كلي يشملها.
وهذا القياس ممتنع في حق الله تعالى لأن فيه تمثيلًا لله بمخلوقاته.
ومثاله عند المتكلمين: كل متصف بالصفات فهو جسم، والله متصف بالصفات فالنتيجة أن الله جسم فركبوا القياس ثم نفوا الصفات حتى لا يقعوا في التجسيم وهذا مسلك المعتزلة.
وهذان القياسان لا يجوز استخدامها في حق الله، وهما اللذان ينصب عليهما نهي السلف رحمهم الله.
3 ـ قياس الأوْلَى: وهو أن كل كمال اتصف به المخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه عنه، وهذا يجوز في حق الله بضابطين:
الضابط الأول: أن يكون الكمال ليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه، فالأكل والشرب كمال عند المخلوق لكن فيه نقص من وجه وهو الافتقار والحاجة إليهما، فلا يصح أن يتصف بهما الخالق لهذا النقص.
الضابط الثاني: أن يكون الكمال قد دل عليه النقل ثم يأتي القياس تعضيدًا وتعزيزًا فقط.
وقياس الأولى: مستفاد من النصوص الشرعية ومنها ما يلي:
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (النحل/60) أي وصف الكمال المطلق.
وقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم/27) . [1]
(1) شرح الرسالة التدمرية/ الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخميس، الناشر دار أطلس الخضراء،1425 هـ/2004 م، ص 198 - 200.