فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 82

ومن هنا يُعلم كمال أدب الأنبياء والمرسلين، فإن الخضر عليه السلام عندما خرق السفينة وفعل فيها ما ظاهره فعل سوء، قال مخبرًا: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف/79) ، ولم يقل: (فأراد ربك أن أعيبها) ، بينما قال في الغلامين: (ن فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) (الكهف/ 82) ، ونجد إبراهيم عليه السلام يستدلّ على ربوبيّة الخالق سبحانه بأفعاله فيقول: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ? وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء/78 - 80) ، فعندما جاء إلى مسألة المرض نسب المرض إلى نفسه، ولم يقل: (وإذا أمرضني) حفظًا للأدب مع الله تعالى.

قال ابن تيمية: (وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح(والخير بيديك والشر ليس إليك) ، وسواء أريد به: أنه لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر إما عدم وإما من لوازم العدم وكلاهما ليس إلى الله، فهذا يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير وأسماؤه تدل على صفاته، وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر، وإنما وقع الشر في المخلوقات، قال تعالى (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) (وأن عذابي هو العذاب الأليم) وقال تعالى: (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم) وقال تعالى: (إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم) فجعل المغفرة والرحمة من معاني أسمائه الحسنى التي يسمي بها نفسه فتكون المغفرة والرحمة من صفاته وأما العقاب الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق له وذلك هو الأليم فلم يقل: وإني أنا المعذب ولا في أسمائه الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم اسم المنتقم وإنما جاء المنتقم في القرآن مقيدا كقوله (إنا من المجرمين منتقمون) وجاء معناه مضافا إلى الله في قوله: (إن الله عزيز ذو انتقام) وهذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل الجمع). [1]

وقال العلامة ابن القيم: (فالشر لا يضاف إلى من الخير بيديه، وإنما ينسب إلى المخلوق، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ? مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق/1 - 2) ، فأمره أن يستعيذ به من الشر الذي في المخلوق، فهو الذي يعيذ منه وينجي منه، وإذا أخلى العبد قلبه من محبته والإنابة إليه، وطلب مرضاته، وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه، وجوارحه من شكره وطاعته، فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه، لم يرد الله سبحانه أن يعيذه من ذلك ونسيه كما نسيه، وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده، قَالَ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج/37) فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه، وقد صرح سبحانه بهذا المعنى بعينه في قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام/110) أي نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل، وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (الحشر/19) وَقَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) (المائدة/41) فعدم إرادته تطهيرهم، وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه.

فالذي إلى الرب وبيديه ومنه هو الخير، والشر كان منهم مصدره وإليهم كان منتهاه، فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان الله تعالى لهم تارة وبعقوبته لهم به تارة، وإليهم انتهت غايته ووقوعه، فتأمل هذا الموضع كما ينبغي، فإنه يحل عنك إشكالات حار فيها أكثر الناس ولم يهتدوا إلى الجمع بين الملك والحمد والعدل والحكمة). [2]

فائدة

الاسم على ضربين:

1.مشتق (غير جامد) وهو الاسم الدال على معنى وذات.

2.غير مشتق (جامد) وهو الاسم العلم المحض.

(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 17/ 94 - 95.

(2) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة/ مؤلف الأصل محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، اختصره محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي (المتوفى 774 هـ) ، تحقيق سيد إبراهيم، الناشر دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى، 1422 هـ -2001 م، ص 259 - 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت