وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها؛ فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. [1]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وأصل هذا أن ما يوصف الله به، ويوصف به العباد، يوصف الله به على ما يليق به، ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فإن الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، فكلامه يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه.
فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات:
تارة تعتبر مضافة إلى الرب.
وتارة تعتبر مضافة إلى العبد.
وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب والعبد. [2]
فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك، فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد، فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال العلم والقدرة والكلام، فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق، فالصفة تتبع الموصوف؛ فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة.) [3]
وقال: (فإنه يجب تنزيه الرب عنها، وينفي عنه مماثلة المخلوقات، فإنه كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال الثابتة له، وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، دلت على النوعين. فقوله: (أَحَدٌ) ، مع قوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ينفي المماثلة والمشاركة، وقوله: (الصَّمَدُ) ، يتضمن جميع صفات الكمال، فالنقائص جنسها منفي عن الله تعالى وكل ما اختص به المخلوق، فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها، بخلاف ما يوصف به الرب، ويوصف العبد بما يليق به، مثل العلم والقدرة والرحمة، ونحو ذلك، فإن هذه ليست نقائص، بل ما ثبت لله من هذه المعاني، فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات، فضلا عن أن يماثله فيه، بل ما خلقه الله في الجنة من المآكل والمشارب والملابس، لا يماثل ما خلقه في الدنيا وإن اتفقا في الاسم، وكلاهما مخلوق. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) [4] ، فقد أخبر الله أن في الجنة لبنًا وخمرًا وعسلًا وماءً وحريرًا وذهبًا وفضةً، وتلك الحقائق ليست مثل هذه، وكلاهما مخلوق. فالخالق تعالى أبعد عن مماثلة المخلوقات من المخلوق إلى المخلوق.
وقد سمى الله نفسه عليمًا، حليمًا، رؤوفًا، رحيمًا، سميعًا، بصيرًا، عزيزًا، ملكًا، جبارًا، متكبرًا، مؤمنًا، عظيمًا، كريمًا، غنيًا، شكورًا، كبيرًا، حفيظًا، شهيدًا، حقًا، وكيلًا، وليًا، وسمى أيضًا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء،
(1) بدائع الفوائد - 1 / ص 290 - 292.
(2) قلت: أي الوصف عند التجرد.
(3) جامع الرسائل / شيخ الإسلام ابن تيمية - الجزء الثالث / مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم عليه السلام، نسخة الكترونية، ومجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية، علق عليه: السيد محمد رشيد رضا، 3/ 54 - 55، الناشر: لجنة التراث العربي، ومصدر الكتابين من موقع الوراق: http://www.alwaraq.net
(4) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء) ، رواه البيهقي موقوفا بإسناد جيد. انظر صحيح الترغيب والترهيب/ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى 1420 هـ) ، الناشر مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الخامسة، الحديث/3769، 3/ 274.علق عليه الشيخ الالباني/صحيح.