فسمى الإنسان سميعًا بصيرًا، وسمى نبيه رؤوفًا رحيمًا، وسمى بعض عباده ملكًا، وبعضهم شكورًا، وبعضهم عظيمًا، وبعضهم حليمًا وعليمًا، وسائر ما ذكر من الأسماء، مع العلم بأنه لَيْسَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مُمَاثِلًا لِلْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ في شيء من الأشياء.). [1]
وقال: قال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) رواه الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس وقد رواه غير واحد منهم محمد ابن جرير الطبري في التفسير في قوله: (وأتوا به متشابها) (سورة البقرة/25) .
وإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه، فمعلوم أن ما بين الخالق والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق، فهذا مما يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه، ويوجب أن ما بينهما من المباينة والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ومخلوق مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود والموجود، والحي والحي، والعليم والعليم، والقدير والقدير، وأمثال ذلك من المعنى المتفق المتواطئ المناسب والمتشابه ما يوجب فهم المعنى لم يفهمه، ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور الغائبة). [2]
وقال: (الألفاظ المتواطئة لها دلالتان حقيقيتان:
الأولى: دلالة حالة الإطلاق؛ فإذا أطلقت هذه الألفاظ دلّت على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق، وهو المعنى العام للفظ ولوازمه؛ لأنّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم.
والقدر المشترك من لوازم الوجود، ولا محذور في إثباته أَلْبَتَّة، لجملة أسباب، منها:
1 ـ أنّ المراد بالقدر المشترك، الاشتراك في معنى اللّفظ ولوازمه، وأنّ المعنى العام يطلق على الربّ والعبد، لأنّهما يشتركان في كليّات مطلقة في الخارج، أو يشتركان فيما يختصّ به أحدهما.
2 ـ أنّ القدر المشترك كلّي مطلق، لا يختصّ بأحدهما دون الآخر، فلا يستلزم إثباته الوقوع في التّشبيه الباطل عقلًا ونقلًا؛ إذ لم يقع بينهما اشتراك، لا فيما يختصّ بالممكن المحدث، ولا فيما يختصّ بالواجب القديم.
3 ـ أنّ القدر المشترك لا يقتضي إثبات ما يمتنع على الربِّ، ولا نفي ما يستحقّه، وكذلك لازمه؛ فإنّه لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا ممّا ينافي صفات الرّبوبيّة.
4 ـ أنّ القدر المشترك من لوازم الوجود؛ فكلّ موجودين لا بُدّ بينهما من مثل هذا، ومن نفاه لزمه التّعطيل التام؛ ولهذا لمّا اطّلع الأئمة على أنّ هذا حقيقة قول الجهميّة سمّوهم معطّلة؛ لأنّ رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كلّ موجود!
الثّانية: دلالة حالة التقييد؛ فإذا قيّدت هذه الأسماء المتواطئة بإضافة، أو تعريف دخلت الخصائص في مسمّاها، وكان ظاهر ما أضيف للربّ إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به. وهذا ثابت حتَّى بين المخلوقات؛ فإنّ أسماء النّعيم إذا أطلقت دلّت على القدر المشترك بين موجودات الدّنيا والآخرة، وإذا قيّدت بتعريف أو إضافة كان ظاهر ما أضيف للجنة مغايرًا لما أضيف للدنيا من النّعيم؛ ولهذا قال ابن عبّاس: (ليس في الدّنيا من الجنّة شيء إلاّ الأسماء) ، فإذا كان تماثل الأسماء حال التقييد لا يستلزم تماثل حقائق المخلوقات فلأن لا يستلزمه بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ إذ للربّ ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به؛ ولهذا سمّى الله نفسه بأسماء، وسمّى صفاته بأسماء تماثل أسماء عباده، وأسماء صفاتهم عند الإطلاق ولم يلزم من ذلك تماثلهما عند التقييد، فكانت أسماؤه وصفاته مختصّة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره، فقد سمّى نفسه حيًّا، فقال: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة/255) ، وسمّى بعض عباده حيًّا، فقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (الأنعام/95) ، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحيّ؛ لأنّ اسم الحيّ مضاف مختصّ في كلا الموضعين، وكذلك سمّى نفسه عليمًا حليمًا، وسمّى بعض عباده عليمًا، وسمّى آخر حليمًا، فقال:
(1) مجموع الفتاوى / شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية،17/ 325.
(2) درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول/ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، تحقيق عبد اللطيف عبد الرحمن، دار النشر دار الكتب العلمية -بيروت -1417 هـ -1997 م،