المطلب الأول
مدى شرعية الاستعانة بالمخبر الخاص
في النظام الإجرائي الإسلامي
ذكرت عند الحديث عن تأصيل الاستعانة بالمخبر الخاص أن التشريع الإجرائي الإسلامي أجاز للمجني عليهم مباشرة الاتهام الفردي في الدعاوى الجنائية الخاصة بحقوقهم، كجرائم القتل القصاص والدية، والجرائم التعزيرية، وذلك عن طريق إقامة الدعوى الجنائية وتحريكها، بل ومباشرة بعض الإجراءات اللازمة للكشف عنها، كالتحري عن الجاني والقبض عليه، يستوي في ذلك أن يقوم المجني عليه بمباشرة هذا الإجراء بنفسه أو بالاستعانة بغيره؛ لأنه هو الذي أصيب بأذى مباشر من وقوع الجريمة، ومن حقه اللجوء إلى كافة السبل المشروعة للوصول إلى ذلك الحق، الاستعانة بمن يراه جديرًا لكشفه، ولو كانت تلك الاستعانة بمقابل مادي.
ولم يقف التشريع الإجرائي الإسلامي عند هذا الأمر بل أوجب على الأفراد والمواطنين دون مقابل مادي تقديم يد العون والمساعدة للمجني عليه عند التعرض لاعتداء إجرامي أو التهديد به، فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يحضان على التكافل والتضامن وإغاثة الملهوف والمكروب، وإعانة المظلوم، ففي القرآن الكريم نجد الآيات الكثيرة التي تحث على ذلك، منها قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [1] وقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) [2] ، وفى السنة النبوية نجد قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» [3] وقوله: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» [4] .
كما يرى بعض الفقهاء [5] أنه ينبغي على آحاد الناس دفع الظلم ورد العدوان عن غيره من الأفراد ممن وقعت عليهم الجريمة، وذلك باتخاذ أي إجراء من شأنه أن يسهل للمجني عليه الوصول إلى حقه، أو يسهل مهمة صاحب الشرطة في كشف الجريمة.
كل ذلك يعنى أن التشريع الإجرائي الإسلامي لا يمنع من استعانة المجني عليه بغيره من المخبرين الخصوصيين أو شركات التحريات الخاصة، لمساعدته فيما وقع عليه من جرائم لكشفها والقبض على مرتكبيها، وتقديم كافة التسهيلات والإجراءات اللازمة، وذلك في إطار من الشرعية الإجرائية وعدم المساس بحقوق وحريات الآخرين.
(1) سورة المائدة: من الآية رقم 2.
(2) سورة التوبة: من الآية رقم 71.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي- المجلد السابع- كتاب الأدب- باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ص 674 حديث 6462، الناشر: دار الغد العربي الطبعة الأولى 1989 م/ 1409 هـ، والحديث رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(4) صحيح سنن أبي داود- المرجع السابق- جـ 3 ص 214 - كتاب الأدب- باب المعونة للمسلم والحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
(5) مغني المحتاج للشربيني- جـ 4، ص 195 - طبعة 1977، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي- جـ 8، ص 26، ط الحلبي 1386 هـ/ 1967 م.