فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 47

الفرع الثالث

تأصيل فكرة الاستعانة بالمخبر الخاص

وسوف أوضح هذا التأصيل في كل من التشريع الإجرائي الإسلامي والقانون الإجرائي وذلك على النحو التالي:

أولًا: في التشريع الإجرائي الإسلامي:

ترجع فكرة الاستعانة بالمخبر الخاص في التشريع الإجرائي الإسلامي إلى ما يعرف بنظام الاتهام الشعبي والاتهام الفردي [1] ، فقد أجاز المشرع الإسلامي الاتهام الشعبي في جرائم الحدود، وهي المتعلقة بحق الله تعالى أو يغلب فيها حقه، مثل جرائم الردة والحرابة والزنا وشرب الخمر، وبمقتضى هذا الاتهام يكون لأي فرد أصابه ضرر مباشر أو لم يصبه أن يتقدم بالاتهام دفاعًا عن المجتمع وحفاظًا على حقوقه، حتى وإن كان قد عين لمثل ذلك من يقوم به، من أمثال المحتسب، باعتبار أن الحسبة واجب على كل مسلم مكلف يعلم حكم الدين [2] .

ويرجع سند تخويل الحق في الاتهام الشعبي في الجرائم السابقة إلى ما ورد من نصوص تشريعية في هذا الشأن موجهة خطابها إلى مجموع الأفراد منها قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) [3] وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [4] وقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [5] وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» [6] .

ويستفاد من هذه النصوص أن الشارع خاطب أفراد المجتمع بتوقيع العقاب في الجرائم التي تمثل مساسًا بحقوق ومصالح المجتمع، وهذا الأمر لا يتأتى إلا بتخويل جميع الأفراد الحق في الاتهام، ومن باب أولى الحق في مباشرة الإجراءات السابقة على الاتهام واللازمة له، وهى إجراءات الكشف عن الجريمة.

كما أباح التشريع الإجرائي الإسلامي الاتهام الفردي في الدعاوي الجنائية الخاصة التي تتعلق بحقوق العباد مثل جرائم القصاص والدية والجرائم التعزيرية التي تمس حق العبد، كالسب، والاتهام بالباطل، وإفشاء الأسرار الخاصة.

ففي هذه الجرائم تكون الجريمة قد أصابت المجني عليه الفرد بأذى مباشر، ويكون هو وحده صاحب الحق في إقامة الدعوى الجنائية، فلا يستطيع غيره إقامتها، ففي دعوي القصاص يكون المجني عليه في جرائم الاعتداء على ما دون النفس أو وليه في

(1) استخدم بعض فقهاء الشريعة في العصر الحالي مصطلحي الاتهام الشعبي والاتهام الفردي الأول للدلالة على حق المجتمع وحق كل فرد في التقدم بالاتهام دفاعًا عن المجتمع وحفاظًا على حقوقه وذلك في الجرائم العامة (الحدود) حيث يرى الأستاذ: محمد سلام مدكور: أن تحويل جميع أفراد الشعب الحق في الاتهام ينصب على جميع الجرائم العامة أو التي يغلب فيها صفة العمومية، كما يستعمل الثاني للدلالة على حق الفرد الذي وقع عليه الضرر المباشر في رفع الدعوى الجنائية في الجرائم الخاصة، ينظر في ذلك: أ. محمد سلام مدكور: القضاء في الإسلام- ص 17، 18 طبعة 1964، د. عبد الوهاب عشماوي- الاتهام الفردي- ص 86 وما بعدها- رسالة دكتوراه- جامعة القاهرة- 1953 م.

(2) أ. محمد سلام مدكور: القضاء في الإسلام، ص 17 وما بعدها.

(3) سورة آل عمران: من الآية رقم 110.

(4) سورة المائدة: من الآية رقم 38.

(5) سورة النور: من الآية رقم 2.

(6) تهذيب سنن الترمذي، جـ 2، ص 485 - باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر- طبعة دار المعرفة- بيروت، والحديث رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفي الحديث وعيد شديد لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك من موجبات العقاب والعذاب الشامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت