الفرع الأول
التعريف بالمخبر الخاص
وسوف أبين المقصود بالمخبر الخاص في كل من النظام الإجرائي الإسلامي والقانون وذلك على النحو التالي:
أولًا: في النظام الإجرائي الإسلامي:
في الحقيقة لم يكن نظام المخبر الخاص موجودًا من قبل في ظل النظام الإجرائي الإسلامي، وإنما هو نظام استجد حديثًا وفقًا لظروف معينة ووفقًا لمتطلبات الحياة الحديثة، بسبب زيادة معدلات الجريمة والتنمية الاقتصادية ومتطلباتها الأمنية وضعف الإمكانيات المادية والفنية لدى أجهزة الأمن، ولكن هذا لا يعني أن النظام الإجرائي الإسلامي بمنأى عن هذا النظام، فأصوله وجذوره التي يستند عليها ترجع إلى النظام الإجرائي الإسلامي [1] ، فإذا كان مضمون هذا النظام يعني قيام المجني عليه أو ذويه بالاستعانة بالمخبر الخاص أو إحدى شركات التحريات الخاصة لكشف ما وقع عليه من اعتداء نظير مقابل مادي، فإن هذا الأمر في النظام الإجرائي الإسلامي كان يقوم به الأفراد على سبيل التطوع وبدون الحصول على مقابل مادي، وذلك من خلال ما عرف بنظام الحسبة [2] ، حيث كان يقوم بها شخص يسمى: المحتسب، وكان من مهامه كشف الجريمة والبحث عن مرتكبها والقبض عليه، وتقديم كافة الأدلة التي تفيد في كشفها، حيث كانت الحسبة هذه وظيفة شعبية بحتة يقوم بها المتطوعون من الناس ثم تطورت للرسمية لما هبط الإيمان في قلوب الناس.
وإذا كان هذا النظام غير موجود من قبل فإن التشريع الإجرائي الإسلامي كما سيأتي لا يمنع المجني عليه أو ذويه من الاستعانة بإحدى شركات التحريات الخاصة لكشف ما وقع عليه من جرائم، وذلك في إطار من الضوابط والضمانات اللازمة لتطبيقه.
انتشر استخدام مؤسسات الحماية الخاصة في العصر الحديث في أغلب دول العالم، وبصفة خاصة تلك الدول التي تتبع نمط الاقتصاد الحر أو ما يعرف باقتصاد السوق، حيث تعمل هذه المؤسسات إما على نطاق واسع وبشكل منتظم ومتقن، أو على نطاق محدود وبمعرفة عدد من المؤسسات الكبرى [3] .
وتختص هذه المؤسسات بأعمال التأمين والحراسة، والبعض الآخر يختص بأعمال التحريات وجمع المعلومات اللازمة للكشف عن الجريمة، وهو ما يطلق عليه المخبر الخاص، ويعمل في هذه الشركات عدد من المخبرين الخصوصيين الذين يمكن الاستعانة بهم في إجراء التحريات في المجالات المختلفة، وذلك نظير مبلغ من المال، ويجوز رفع الدعوى الجنائية والاتهام بناء على هذه
(1) كما سيأتي ذلك عند الحديث عن تأصيل فكرة الاستعانة بالمخبر الخاص في التشريع الإجرائي الإسلامي.
(2) الحسبة في اللغة: هي مصدر احتسابك الأجر على الله تقول: فعلته حسبة وأحتسب فيه احتسابًا، والاحتساب: طلب الأجر، والاسم الحسبة بالكسر طلب الأجر والاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات- المصابيح المنير جـ 1 ص 135 طبعة دار المعارف بدون تاريخ.
وشرعًا: هي أمر بمعروف إذا ظهر تركه ونهى عن منكر إذا ظهر فعله، وفي تفصيل ذلك ينظر:
إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي- جـ 2 ص 425 - طبعة 1419 هـ/ 1998 م دار الحديث القاهرة- الأحكام السلطانية للماوردي جـ 2، ص 284 طبعة دار الاعتصام- بدون تاريخ- الأحكام السلطانية لأبي يعلى، ص 257، طبعة الحلبي، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم- ص 240 - طبعة دار الكتب العلمية ببيروت- بدون تاريخ.
(3) د. فريدون محمد نجيب: بحث عن الأمن الخاص- إصدار القيادة العامة بشرطة دبي- مركز البحوث والدراسات عدد 16 أبريل 1993 م، ص 4.