فالنظام الإجرائي الإسلامي أول ما حرص عليه في رسالته هو إلزام القائمين بالكشف عن الجريمة بالحرص على مكارم الأخلاق واتباع الوسائل المشروعة عند مباشرتهم لأعمالهم، وأي تصرف مخالف لذلك لا يعتد به ولا يترتب عليه آثاره ولو نتج عنها اكتشاف جريمة، بل يعرض فاعله للمساءلة جزاء تصرفاته المخالفة لتعاليم الشريعة. ولم يوجب النظام الإجرائي الإسلامي اتباع وسيلة معينة أو محددة لكشف الجريمة، فكل وسيلة موصلة للحقيقة تعد جائزة طالما أنها مشروعة ولم تمس حقوق الأفراد ولا حريتهم.
2)الرقابة على أعمال القائمين بالكشف عن الجريمة.
باشر النظام الإجرائي الإسلامي الرقابة على القائمين بالكشف عن الجريمة وعلى ما يقومون به من إجراءات، وذلك عن طريق والي الجرائم والمظالم، فالأول كانت وظيفته تشبه إلى حد كبير وظيفة النيابة العامة في الوقت الحالي، حيث كان يتولى فحص التهم قبل إحالتها إلى القاضي، أي يبحث في مدى صحة الإجراء الذي اتخذه القائم بالكشف عن الجريمة ضد المشتبه فيه قبل إحالته إلى القاضي، أما الثاني فكان يماثل في اختصاصه أيضًا اختصاص النيابة العامة في القانون، ويظهر ذلك جليًّا فيما أورده الماوردي من أن الناظر في المظالم كان ذو ولاية عامة، حيث كان له أن يتحرى عن أحوال المتهم وسلوكه بما يقوي الشبهة أو يضعفها، ثم له بعد ذلك أن يطلقه أو يحبسه [1] .
معنى ذلك أن والي المظالم كان يراقب ما يقوم به القائمون بالكشف عن الجريمة من إجراءات حيال المتهم، حيث كان له الحق في إطلاق سراح المتهم أو استمرار حبسه، وهذا بلا شك مقابل لما تقوم به النيابة العامة من تحقيق ابتدائي وإشراف على أعمال التحري والقائمين بها.
ضمانا لعدم ضياع وتشتيت الجهود المبذولة التي يقوم بها المخبر الخاص في الكشف عن الجريمة، ينبغي مراعاة عدد من الضمانات اللازمة لصحة ما يتخذ من إجراءات، من أهمها ما يلي:
1)ضرورة الالتزام بالشرعية الإجرائية:
ينبغي أن تكون كل إجراءات التحري التي يقوم بها المخبر الخاص في إطار من الشرعية الإجرائية، فلا يجوز له اختلاق أي إجراء يتعارض مع هذه الشرعية وإلا كان عمله معيبًا.
ويراد بالشرعية الإجرائية اتفاق الإجراءات الجنائية التي تتخذ ضد من يشتبه فيه بارتكاب جريمة معينة مع القواعد القانونية والأنظمة الثانية، وأن يكون ذلك شاملًا لجميع مراحل الدعوى الجنائية بدءًا من مرحلة التحري والاستدلال حتى مرحلة المحاكمة [2] ، وهذه القواعد تتمثل في مبدأ الأصل في الإنسان البراءة وعدم جواز اتخاذ أي إجراء جنائي إلا بناء على قانون وتحت إشراف السلطات المختصة، وفى حدود الضمانات المقررة بناء على مبدأ البراءة [3] .
ولتحقيق مبدأ الشرعية الإجرائية عند مباشرة المخبر الخاص لإجراء التحري يجب عليه أن يلتزم دائمًا بالهدف من الإجراء الذي يقوم به، والذي يكمن في الوصول إلى الحقيقة التي تتمثل في الكشف عن غموض الجريمة وإمكان نسبتها إلى شخص المتهم دون نظر إلى الحافز أو المقابل المبادئ الذي يحصل عليه، ودون أن يكون لهذا المقابل أي تأثير على نسبة الجريمة إلى غير مرتكبها.
كما يجب على المخبر ألا يكون هدفه من إجراء التحري إشباع الهوى أو الانتقام من الجاني، أو التشفي لحساب المجني عليه، وإلا كان إجراؤه باطلًا، وتعرض هو المجني عليه للمساءلة القانونية، كما يجب عليه ضرورة الالتزام بالمحافظة على الأعراض والحريات، فلا يكشف القناع عن الأسرار، وذلك حتى يضمن للأفراد سبل الاستقرار والاطمئنان على حرياتهم.
وجملة فإنه يحظر على المخبر الخاص القيام بأي إجراء للتحري دون هدف مرسوم أو محدد؛ لأن ذلك يمس الحريات وينال منها، وفيه ضياع للجهود، وفقد تركيزها، كما يتسبب في ضياع الأدلة، وزرع الخوف في نفوس الأفراد.
2)إخطار الجهات الأمنية بالقيام بإجراء التحري:
يجب على المجني عليه أو ذويه إخطار الجهة الأمنية أو سلطات الضبط المختصة مكانيًّا بواقعة الجريمة بأنه سيقوم بالاستعانة بإحدى شركات التحريات الخاصة لجمع التحري حول الواقعة لكشف غموضها، ويحدد في إخطاره اسم الشركة، وعنوانها، وأرقام تليفوناتها، حتى يمكن لأجهزة الأمن أن تكون على علم بأن أشخاصًا آخرين يقومون بجمع التحريات حول تلك الواقعة، بالإضافة إلى إمكانية التنسيق بين جهود كل من أجهزة الأمن وشركات التحريات حتى لا تضيع الجهود ويصعب التوصل إلى حقيقة الجريمة محل التحريات المشتركة بين أجهزة الشرطة وشركات التحريات، كما يلزم أن يثبت المجني عليه أو ذويه انتدابه لهذه الشركة في إجراء التحري عن الواقعة على وجه رسمي، وذلك بتوكيل خاص بإجراء التحري، شريطة أن يكون هذا الانتداب أو التوكيل ساريًا [4] .
3)وجود نوع من الرقابة على أعمال المخبر الخاص:
ضمانًا لصحة ما يقوم به المخبر الخاص من إجراءات لكشف الجريمة، وحرصًا على عدم ضياعها وتشتيت ما بذل من جهد ينبغي وجود نوع من الرقابة على أعمال المخبر الخاص، وذلك أسوة بتلك الرقابة التي تباشر على أعمال مأمور الضبط.
ومعروف أن سلطات التحقيق هي المختصة بتقدير جدية التحريات التي يقوم بها مأمور الضبط، وبمدى كفاءتها لإصدار الأمر بالتفتيش، كما تختص المحاكم الجنائية ومحكمة النقض بالرقابة على مشروعية هذا الإجراء، وكل ما يتخذه مأمور الضبط من إجراءات لكشف الجريمة.
وقد تواترت أحكام القضاء على أن جدية التحريات أو عدم جديتها من المسائل التي تدخل في رقابة محكمة الموضوع، ولا تترك لتقدير سلطات الأمن دون إشراف أو تعقيب من سلطات التحقيق أو القضاء، وقد قضت محكمة النقض إعمالًا لذلك"أن تقدير جدية التحريات وكفاءتها بإصدار الأمر بالتفتيش هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع، متى كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التي بنى عليها أمر التفتيش وكفاءتها لتسويغ إجرائه [5] "كما قضت محكمة النقض أن (للقاضي أن يأخذ بما هو مدون من محضر جمع الاستدلالات على اعتبار أنه ورقة
(1) الأحكام السلطانية للماوردي: المرجع السابق، جـ 1، ص 206.
(2) د/ هلالي عبد اللاه أحمد: النظرية العامة للإثبات في المواد الجنائية- الطبعة الأولى- 1987 - ص 452 - دار النهضة العربية، د/ أحمد ضياء الدين- مشروعية الدليل في المواد الجنائية- دراسة تحليلية مقارنة- رسالة دكتوراه- حقوق القاهرة، 1983، ص 20 رقم 18.
(3) د/ أحمد فتحي سرور: الشرعية والإجراءات الجنائية، ص 116، دار النهضة العربية 1977 م.
(4) د/ مصطفى الدغيدي: المرجع السابق، ص 83.
(5) نقض 11/ 1/ 1979 م مجموعة أحكام النقض س 30 رقم 8 ص 54.
نقض 18/ 10/ 1984 م مجموعة أحكام النقض س 35 رقم 140 ص 636.
نقض 24/ 2/ 1988 م مجموعة أحكام النقض س 35 رقم 1 ص 1.