فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 47

المطلب الثاني

ضمانات عدم تشتيت الجهود المبذولة

وأتناول بيان هذه الضمانات في كل من النظام الإجرائي الإسلامي والقانون وذلك على النحو التالي:

أولًا: في النظام الإجرائي الإسلامي:

حرص النظام الإجرائي الإسلامي على ضرورة توافر حذف عدد من الضمانات الكافية ضمانًا لعدم ضياع وتشتيت الجهود المبذولة والمتخذة من قبل القائم بالكشف عن الجريمة، وهذه الضمانات من الممكن سريانها على المخبر الخاص باعتباره أحد الموكول إليهم مهمة الكشف عن الجريمة من قبل المجني عليه عند تطبيق هذا النظام ومن أهم هذه الضمانات ما يلي:

1)الالتزام بالشرعية الإجرائية:

يعتبر النظام الإجرائي الإسلامي أول من وضع الأسس والأصول الأولى لمبدأ الشرعية الإجرائية قبل أن يعرفه وينادي به فلاسفة القانون في أوروبا بقرون طويلة، وتقوم هذه الشرعية على أساس أن يكون الدليل الذي حصل عليه القائم بالكشف عن الجريمة أيًّا كان والمقام ضد المتهم قد تم الحصول عليه بوسيلة مشروعة، فإن كان غير ذلك أهدر الدليل ولم يصح الاستناد إليه.

ويوجب النظام الإجرائي الإسلامي على القائم بالكشف عن الجريمة أن يلتزم بالهدف من إجراءاته وهو الوصول إلى الحقيقة وكشف الجريمة والقبض على مرتكبيها، دون أن يكون هدفه هو الانتقام أو التشفي أو إشباع الهوى وإلا كان إجراؤه باطلًا، فمثلًا المحتسب وهو أحد الموكول إليهم مهمة الكشف عن الجريمة في النظام الإسلامي له سلطات واسعة تجاه الأفراد فيما يتعلق بممارسة وظيفته، غير أنه ينبغي أن يكون هدفه من ممارسة سلطاته هو الوصل إلى الحقيقة، فإذا حاد عن هذا الهدف كأن استعمل سلطته بقصد الانتقال أو الضغائن الشخصية أو بقصد تحقيق نفع شخصي لم تتحقق حينئذ الشرعية المطلوبة وبطل ما اتخذه من إجراءات [1] .

كما يوجب النظام الإجرائي الإسلامي على القائم بالكشف عن الجريمة أن يكون كشفه لها بطريق مشروع غير منافٍ للآداب والأخلاق، وخير دليل على اشتراط هذه المشروعية ما روي أن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص [2] ، فقال لهم: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال عمر: هاتين بهاتين، وانصرف ولم يتعرض لهم [3] .

(1) د. فتحي الدريني: نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي- ص 193 - الطبعة الرابعة 1988 - مؤسسة الرسالة د. حسين عامر- التعسف في استعمال الحقوق- ص 526، الطبعة الأولى 1960 عالم الكتب.

(2) ومعنى يتعاقرون على شراب: الملازمة والمداومة على الشرب، وجاء في اللغة عاقر الخمر: أي لازمها وداوم عليها، والمعاقرة: إدمان شرب الخمر، وسميت بذلك لأنها عقرت العقل أي لازمته. ومعنى يوقدون في أخصاص: أي يشغلون النار فيها، والخص في اللغة: بيت من شجر أو قصب. ينظر في ذلك: مختار الصحاح للإمام الرازي- ترتيب محمود خاطر- ص 177/ 445 - حرفي الخاء والعين- الناشر دار الحديث القاهرة- بدون- المعجم الوجيز- إصدار مجمع اللغة العربية- ص 199، 427، طبعة 1993 م.

(3) الأحكام السلطانية لأبي يعلى- ص 310 - المرجع السابق، إحياء علوم الدين- المرجع السابق- جـ 2، ص 451.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت