فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 47

جرائم الاعتداء على النفس (القتل) هو الذي يحرك الدعوى [1] ، ويقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، كالتحري عن الجاني والقبض عليه.

ويعتمد تخويل الحق في الاتهام الفردي للمجني عليه وأوليائه إلى أدلة كثيرة منها قوله تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) [2] وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) [3] وقوله تعالى: (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ) [4] ، وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى أو يقاد» [5] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بدم أو خبل -والخبل: الجرح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو ويأخذ العقل، فإن أخذ من ذلك من شيء ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدًا فيها مخلدًا» [6] .

فهذه النصوص واضحة الدلالة في تخويل المجني عليه وأوليائه حق الاتهام الفردي في الدعاوى التي تمثل مساسًا بحقوقهم الخاصة، وفى اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحريك الدعوى.

وهناك جرائم ينشأ عنها حقان حق لله تعالى -حق المجتمع- وحق العبد، كما هو الحال في جريمتي السرقة والقذف، فالأولى ينشأ عنها حق المجتمع في عقاب الجاني وحق المجني عليه في استرداد ماله، والثانية ينشأ عنها حق المجتمع في عدم إشاعة الفاحشة وعدم الخوض في أعراض الناس وحق المجني عليه في تخليص ما لحق به من عار، وقد اختلف الفقهاء في تغلب أي الحقين على الآخر، ففي جريمة القذف ذهب الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية والمالكية قبل رفع العبد للشكوى إلى تغليب حق العبد على حق الله تعالى [7] ، بينما ذهب أبو حنيفة والمالكية بعد رفع العبد للشكوى إلى تغليب حق الله تعالى [8] .

ورغم هذا الخلاف بين الفقهاء إلا أن هناك قدرًا مشتركًا متفقًا عليه بينهم يتمثل في أمرين، الأول أن للعبد حق في هاتين الجريمتين ودليل ذلك أن أغلب الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في جريمة السرقة [9] والحنابلة والمالكية وبعض الحنفية في

(1) د. عبد الوهاب عشماوي: المرجع السابق، ص 358 وما بعدها، د. سمير الجنزوري: دور الجمهور في الوقاية من الجريمة ومكافحتها في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية- من سلسلة الدفاع الاجتماعي- إصدار المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي بالرباط- العدد الثاني- 1981، ص 87.

(2) سورة الإسراء: من الآية رقم 33.

(3) سورة البقرة: من الآية رقم 178.

(4) سورة المائدة: من الآية رقم 45.

(5) صحيح سنن أبي داود- المجلد الثالث- ص 89 حديث رقم 4505 باب ولي العمد يرضى بالدية، كتاب الديات- الطبعة الأولى 1419 هـ/ 1998، والحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

(6) سند الدارمي- جـ 2 ص 188 - كتاب الديات- باب في الدية في القتل العمد- طبعة دار الكتب العلمية- ببيروت- بدون- والحديث رواه أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه.

(7) المهذب للشيرازي جـ 2، ص 274 - دار الفكر- بدون.

المغني لابن قدامة جـ 8 ص 133، مكتبة النور الإسلامية- بدون، شرح فتح القدير جـ 4، ص 198، المطبعة التجارية بمصر- بدون، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير جـ 4، ص 331 - طبعة الحلبي- بدون.

(8) حاشية ابن عابدين جـ 8، ص 220 - الطبعة الثانية- دار الفكر ببيروت- 1386 هـ، المبسوط للسرخسي جـ 9، ص 109، مطبعة السعادة بمصر- بدون، حاشية الدسوقي- المرجع السابق- جـ 4، ص 331.

(9) بدائع الصنائع للكساني- جـ 2، ص 86 - الطبعة الأولى 1328 هـ- 1910 م، المهذب للشيرازي جـ 2، ص 278 - المرجع السابق، حاشية الدسوقي- المرجع السابق- جـ 4، ص 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت