جريمة القذف [1] يقولون بجواز حق العبد في العفو قبل رفع الدعوى [2] ، فلو لم يكن للعبد حق العفو فيهما لما قال الفقهاء بجواز العفو، الأمر الثاني أن هناك قيدًا إجرائيًّا يرد على هاتين الجريمتين يتمثل في قصر تحريك الدعوى فيهما على المجني عليه وحده، فللمقذوف في جريمة القذف مصلحة خاصة تتمثل في عدم إذاعة ونشر ما سبق أن قذف به وهذه المصلحة يقدرها هو دون غيره، وكذلك المسروق منه في جريمة السرقة له مصلحة في استرداد ماله الذي سرق منه واعتدى عليه فيه، الأمر الذي يعني أن للمجني عليه في هاتين الجريمتين حق اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحريك الدعوى كالبحث عن الجاني والتحري والإمساك به.
وهناك بعض الآثار الدالة على جواز مباشرة المجني عليه لبعض إجراءات الكشف عن الجريمة في هذه الجرائم، منها ما رواه مالك عن ابن شهاب: عن صفوان بن عبد الله بن صفوان: أن صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام في المسجد وتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسرقت رداء هذا؟» قال: نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا قبل أن تأتيني به» [3] فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على صفوان -رضي الله عنه- الإمساك بالجاني واقتياده إليه على الرغم من أن الواقعة من جرائم الحدود فدل ذلك على جواز مباشرة المجني عليه لإجراءات الكشف عن الجريمة، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكن القول بأن للمجني عليه في هاتين الجريمتين حق الاستعانة بالمخبر الخاص للتحري عن مرتكبها وذلك في إطار من الضوابط والضمانات اللازمة لذلك.
مما سبق يتضح أن التشريع الإجرائي الإسلامي أعطى الحق لأي فرد في المجتمع في مباشرة الاتهام الشعبي دفاعًا عن المجتمع وعن حقوقه، وأعطى الحق للمجني عليه في مباشرة الاتهام الفردي في الدعاوى التي تمثل مساسًا بحقوقهم وملاحقة مرتكبها، وهذا في مجمله يعطى الحق لأي شخص أن يجمع التحريات على الأقل حتى يتمكن من التقدم باتهام صحيح، كما أن إعطاء المجني عليه هذا الحق يعطيه من باب أولى الحق في إجراء التحريات والذي له أن يجريها بنفسه أو أن يستعين بمن شاء، وهذا يعنى أن نظام المخبر الخاص ليس بغريب على النظام الإجرائي الإسلامي، حيث إنه أعطى الحق للمجني عليه في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحريك الدعوى الجنائية في الجرائم الخاصة بهم، يستوي في ذلك أن يقوم المجني عليه بنفسه في إجراء التحريات أو أن يستعين بغيره ممن لديه القدرة على ذلك، كل ذلك في إطار من عدم المساس بحقوق وحريات الآخرين.
ومن الجدير بالذكر أن النظام الإجرائي في المملكة العربية السعودية كان ولا يزال يأخذ بنظام الاتهام الفردي المؤسس على التشريع الإجرائي الإسلامي، وقد جاء ذلك في قانونها المسمى بنظام الإجراءات الجزائية الصادر في 14/ 7/1422 هـ، حيث نص في المادة السابعة عشرة على الآتي: (للمجني عليه أو من ينوب عنه ولوارثه من بعده حق رفع الدعوى الجزائية في جميع القضايا التي يتعلق بها حق خاص ومباشرة هذه الدعوى أمام المحكمة المختصة ... ) [4] .
(1) المغني لابن قدامة- المرجع السابق- جـ 10، ص 204، حاشية الدسوقي- المرجع السابق- جـ 4، ص 331.
(2) وفي تفصيل هذا الأمر يراجع بحث أستاذنا الدكتور/ سامح جاد: العفو عن العقوبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي -ص 53 وما بعدها- 1978 م- 1398 هـ، وكذلك التشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ/ عبد القادر عودة: جـ 2، ص 483، وما بعدها- الطبعة الثالثة 1977 م- دار التراث العربي.
(3) الموطأ للإمام مالك بن أنس رضي الله عنه جـ 2 كتاب الحدود، باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان- ص 652 - طبعة عيسى الحلبي- بدون.
(4) نظام الإجراءات الجزائية- المملكة العربية السعودية- إصدار المركز الوطني للوثائق والمحفوظات- الطبعة الأولى 1424 هـ- ص 13.